جوزي رفضني
جوزي رفضني
سلمى فضلت واقفة لحظات مكانها، ماسكة الموبايل في إيديها، وبعدها قفلت التسجيل بهدوء كأن مفيش حاجة حصلت.
رجعت أوضتها في صمت، وقعدت قدام المرآة تبص لنفسها طويلاً… بس المرة دي مكنش في دموع، كان في قرار.
مع أول ضوء الصبح، نزلت تحت وهي هادية بشكل مريب، كأن اللي حصل امبارح اتقفل عليه تمامًا.
سيف كان قاعد في الصالون، بيتعامل بطبيعته وكأن كل حاجة عادية.
بصلها وقال بابتسامة خفيفة:
"صباح الخير… كنت عارف إنك هتهدي."
سلمى ردت بهدوء:
"صباح النور."
قعدت قدامه من غير ما تبين أي انفعال، وقالت:
"أنا عايزة نرتب أمورنا بشكل رسمي من الأول."
سيف رفع حاجبه:
"أمور إيه؟"
سلمى ردت بثبات:
"كل حاجة تخص الجوازة… والمستقبل المالي بينا."
سيف ابتسم وقال وهو مطمئن:
"ماشي… طالما عايزة كده."
بعدها بيومين، سلمى طلبت جلسة عائلية صغيرة في الشاليه بحجة "تنظيم الأوراق".
كل العيلة حضرت، وسيف كان واثق إن الموضوع في صالحه.
المحامي دخل ومعاه ملفات كتير، وقال بهدوء:
"فيه مجموعة أوراق تنظيمية لازم تتوقع من الطرفين لضمان الحقوق والالتزامات المالية بين الزوجين."
سيف بص لسلمى وقال:
"أخيرًا بتفكري بالعقل."
بدأ يوقع الورق واحدة واحدة من غير تردد، وكل ما يسأل، يتقال له إنها إجراءات شكلية وتنظيمية.
وبعده تم توقيع بعض البنود من أطراف العيلة كضمان وإثبات.
سلمى
بتراقب كل توقيع، من غير ما تفتح كلام كتير.
لما خلصوا، المحامي قفل الملف وقال:
"كده كل الإجراءات مكتملة رسميًا."
سيف ابتسم وقال:
"تمام… الأمور ماشية زي الفل."
سلمى بصت له وقالت بهدوء:
"أيوه… ماشية زي ما لازم تمشي."
وقامت قفلت الملف بنفسها، وخرجت من الأوضة من غير ما تبص وراها.
القصة الثانية 👇
في الثالثة والثلاثين من عمري فقط، أدركت أخيرًا شيئًا كان يجب أن أفهمه منذ طفولتي:
كبار السن لا يبقون معنا إلى الأبد، مهما أحببناهم ومهما أردنا أن نصدق أنهم خالدون.
جدي، دون أليخاندرو، يبلغ الآن ثمانية وثمانين عامًا.
وما زال يعيش في ذلك البيت الصغير المبني من الطوب، البيت الذي بناه بيديه حجرًا فوق حجر، وهو يخلط الإسمنت بمجرفته القديمة. نفس البيت الذي يحتوي على تلك الشرفة التي ما زالت الأرجوحة فيها تصدر صريرًا، وكأنها تحاول أن تحكي لي قصص طفولتي.
لم يكن جدي رجلًا يرفع صوته أبدًا.
كان رجلًا يملك قوة هادئة.
هو من علّمني الأشياء التي تصنع الرجل الحقيقي:
كيف أربط عقدة بحّار بطريقة صحيحة،
وكيف أرمي صنارة الصيد مع أول خيوط الشمس،
وكيف ألاحظ الحزن في عيون الناس حتى وهم يبتسمون ويقولون:
«أنا بخير.»
لكن حياة البالغين ليست سوى ضوضاء.
العمل، القروض، الديون، مواعيد المكتب… كل ذلك يبدو وكأنه مركز الكون عندما نكون صغارًا. ومن دون
الذين منحونا جذورنا بالتلاشي بعيدًا عنا.
ليس لأننا نريد جرحهم…
بل لأن الحياة تسحبنا معها.
بدأت أزور جدي أقل فأقل.
وأصبحت مكالماتنا أقصر.
وكنت دائمًا أعده بنفس الجملة:
«سآتي الأسبوع القادم يا جدي.»
وهو — لأنه رجل ذو كرامة — لم يشتكِ أبدًا.
قبل ثلاثة أسابيع، ركبت السيارة فجأة وذهبت إليه دون سابق إنذار.
كان ضوء الشرفة، الذي اعتاد تشغيله دائمًا انتظارًا للزوار، بالكاد يبدد ظلام الليل.
فتح جدي الباب ببطء، مستندًا بثقل على عصاه الخشبية.
وفور أن رآني، أضاء وجهه كأن الشمس اخترقت الغيوم.
قال مبتسمًا بهدوء:
«انظروا من عاد أخيرًا… المسافر تذكر الطريق إلى البيت.»
جلسنا في المطبخ القديم، حيث ما زالت رائحة الخبز الحلو الذي كانت جدتي تخبزه تسكن المكان.
صبّ القهوة في أكواب غير متشابهة.
وكانت جدتي تقول دائمًا:
«لا يهم إن كانت الأطباق لا تتشابه… المهم أن قلوبنا تنبض بنفس الإيقاع.»
تحدثنا عن كل شيء.
عن الحصاد، والجيران، والصيد…
وأعاد عليّ تلك القصص نفسها التي أحفظها منذ كنت في الخامسة من عمري.
ثم فجأة، أخرج صندوق أحذية قديمًا ومهترئًا من أحد الأدراج.
كان بداخله كل رسائلي القديمة.
كل رسالة كتبتها له وأنا طفل… احتفظ بها لعقود.
أخرجت رسمة بالألوان الخشبية: طفل صغير يمسك يد جده العملاق بجانب النهر.
وكان مكتوبًا بخطي الطفولي:
«جدي،
وعدني أنك ستبقى دائمًا هنا.»
ضحك بخفة وهو يمرر أصابعه على الرسمة.
وقال:
«أترى يا أليكس؟ حتى وأنت صغير، كنت خائفًا من أن أكبر في السن.»
رفعت نظري إليه، ولأول مرة… رأيت يديه حقًا.
نحيلتين، مليئتين بالعروق.
وعينيه المتعبتين الشفافتين تقريبًا.
وكل حركة منه كانت تتطلب مجهودًا.
وفجأة اخترقتني فكرة مؤلمة:
إنه يرحل.
يكبر في العمر الآن… ثانية بعد ثانية.
وأنا كنت مشغولًا جدًا بحياتي “المهمة” حتى ألاحظ ذلك.
وعندما هممت بالمغادرة، بينما كنت واقفًا عند الباب والهواء البارد يحيط بنا، قال كلمات أحملها معي الآن أينما ذهبت:
«يا أليخاندرو… لا تؤجل الحب إلى الغد.»
شعرت أن أنفاسي توقفت.
وسألته بصوت مرتجف:
«جدي… هل تحاول أن تخبرني أن وقتك يقترب؟»
ابتسم تلك الابتسامة الحكيمة الحزينة قليلًا.
وقال بهدوء:
«لا يا بني… فقط أصبحت أقرب إلى النهاية مما كنت عليه من قبل.»
احتضنته بقوة لم أحتضنه بها من قبل.
وسقطت عصاه على الأرض الخشبية بصوت عالٍ.
وللمرة الأولى…
لم يكن هو من ترك أولًا.
بل أنا.
والآن أندم على كل دقيقة لم أقضها معه.
صرت أزوره كل أحد.
نشاهد الأفلام القديمة، ونشرب القهوة الثقيلة، ونجلس بصمت نتشارك ما هو أهم من الكلام.
ويقول إن زياراتي تمنحه سببًا ليستمر في الحياة.
وأخيرًا فهمت:
كبار السن كنوز حيّة.
وإذا توقفنا عن زيارتهم…
تختفي
إن بقيت هذه القصة معك—إن لامست شيئًا بداخلك —فضلاً إضغط ب 👍، وشاركه مع من يحتاجه،. شكرًا لوجودك هنا