رواية الظرف الأصفر الحلقه الثالثه بقلم مصطفى محسن حصريه وجديده
رواية الظرف الأصفر الحلقه الثالثه بقلم مصطفى محسن حصريه وجديده
العجوزة قربت مني ببطء، وكانت خطواتها تقيلة كأنها شايلة عمر كامل فوق كتافها. مدت إيديها المجعدة، ومسكت كفي بقوة. أول ما لمستني، حسيت بقشعريرة مسكت جسمي كله مرة واحدة.، كأن. رفعت عيني وبصتلها، لقيت نظرتها ثابتة ومخيفة، وكأنها شايفة جوايا حاجة أنا نفسي ما أعرفهاش. بصوت واطي جدًا: "أخوك مات زي أبوك." اتجمدت مكاني، وقلبي دق. قلت لها: "بابا ما ماتش في حادث." ابتسمت، ابتسامة ما فيهاش أي رحمة، وقالت: "ومين قالك إن أخوك مات في حادث؟" حسيت إن الأرض بتهتز تحت رجلي. مسكتها من كتفها وأنا بقول: "تقصدي إيه؟ انطقي" فجأة ملامح وشها اتغيرت بشكل مرعب. عينيها بقت مخيفه، وصوتها طلع أخشن وقولت: "دور على السر اللي أعمامك دفنوه من سنين." الجملة نزلت عليّ زي الصاعقة. في اللحظة دي، لأول مرة، بدأت الصورة تتجمع قدامي. موت يوسف ماكانش مجرد حادث، وموت أبويا هو كمان ماكانش صدفة. في سر قديم جدًا، سر متعلق بأبويا وأعمامي، وسر بالشكل ده لازم يكون تمنه غالي... غالي لدرجة إنه كلّفنا أغلى الناس.
وأنا لسه باصصلها مذهول، لقيت عمي الكبير قرب منا وقال متوتره: "كفاية كده يا حاجة، سيبي البشمهندس يرتاح." العجوزة. بصتله بنظرة عمري ما هنساها، نظرة كلها رعب في نفس الوقت. قالت: "ماشي يا حنين." الكلمة كانت بتفسر حاجات كتيرة، لكن الأغرب هو إن عمي اتوتر أكتر، وبلع ريقه بصعوبة وهو بيخرجها لحد باب المندرة. بعد دقائق رجع وقعد جنبي وهو بيحاول يبان طبيعي، لكن صوته كان مرتبك وهو بيسألني: "قالتلك إيه الست دي؟". كنت عاوز أقوله كل كلمة قالتها،
افتكرت الذكريات، بس حسيت إحساس خانق بأن الأوضة دي نفسها مخبية أسرار. قفلت الباب ورايا، وحطيت الشنطة على السرير. فتحتها عشان أطلع هدومي، لكن أول ما فتحت السوستة، اتجمدت مكاني. كان جوا الشنطة ظرف أصفر... نفس الظرف اللي ظهر قدام باب شقتي في القاهرة، وقفت في نص الأوضة وأنا حاسس إن عقلي خلاص هيقف من كتر الأسئلة. إزاي الظرف ده دخل شنطتي وأنا اللي قافلها بإيدي؟ ومين الشخص أو الشيء اللي مصر يوصلي الرسائل دي في كل مكان أروحه؟ والأهم من كل ده... هو عاوز مني إيه بالضبط؟ مديت إيدي، وفتحت الظرف للمرة الثالثة،. الورقة كانت صغيرة، ومافيهاش غير سطر واحد مكتوب بخط واضح: "أوعى تثق في حد... حتى لو كان من دمك." فضلت أبص للجملة دي ثواني، في اللحظة دي افتكرت نظرات أعمامي، وتوتر عمي الكبير لما العجوزة، قالت: "السر اللي أعمامك دفنوه من سنين." ماقدرتش أستحمل أكتر من كده. سبت الظرف على السرير، وخرجت من الأوضة ونزلت السلم بسرعة. دخلت المندرة، وكل العيون اتوجهت ناحيتي. بصيت لأعمامي وقلت: "أنا عاوز أعرف مين اللي دخل أوضتي وفتح شنطتي."
عمي
عمي الكبير حط إيده على كتفي وقال: "إنت تعبان يا كريم، ومحتاج ترتاح. من ساعة ما جيت وإنت تحت ضغط كبير." هزيت راسي من غير ما أرد. خرجوا واحد ورا التاني، وفضلت واقف لوحدي في الأوضة، أبص للسرير الفاضي، وحاسس إن كل حاجة حواليا بدأت تتفسرقدامى. بس مين اللي بيحط الظرف الأصفر ده في كل مكان أروحه؟ وليه اختفي بمجرد ما أحاول أثبت وجوده لاعمامى؟ وهل الرسائل دي فعلًا تحذير... ولا فخ بيتنصبلي خطوة بخطوة؟ قعدت على السرير، وإيديا على رأسي، بحاول أرتب أفكاري. وفي اللحظة
"أنا مش جاية أذيك يا كريم... أنا جاية أحذرك." بلعت ريقي بصعوبة. كملت وهي مثبتة عينيها في عيني: "إوعى تثق في أي حد... خصوصًا الناس اللي قريبين منك. روح لقبر أبوك... واحفر تحته، وساعتها هتعرف أنا بحذرك من مين." حاولت أتكلم، لكن صوتي اختفى تمامًا. ولسه هسألها، اختفت فجأة من المراية. في نفس اللحظة، انطفأ نور الأوضة بالكامل، وغرقت في ظلام. سمعت صوت أنفاس تقيلة جدًا خلفي، قريبة لدرجة إني حسيت بحرارتها على رقبتي. تجمد الدم في عروقي، وجسمي كله اتخشب. وبعدين سمعت صوت يوسف، واضح جدًا، مليان رعب، بيهمس في ودني: "لو حفرت تحت قبر أبوك... هتعرف الحقيقة... بس عمرك ما هتقدر تهرب منها." رجع النور فجأة، وماكانش فيه أي حد في الأوضة. لكن على السرير، فوق المخدة، كان فيه تراب أسود، وفي وسطه صورة قديمة لأبويا وهو واقف في المقابر... وبجانبه ثلاثة رجال. أول اتنين عرفتهُم... كانوا أعمامي. أما الرجل الثالث، فخلّى قلبي يقف من الرعب، لأنه كان...
انتظروا