في عيد ميلاد ابني

لمحة نيوز

في عيد ميلاد ابني
في عيد ميلاد ابني الأول، وصلتني رسالة من أهلي تقول
الولد ده مش حفيدنا بينما الجميع كانوا يغنّون 
أنا بس قفلت الموبايل وردّيت إن مفيش تحويلات فلوس تاني لكن بعد دقائق وصلتني رسالة تهديد عن أوراق من سنة 2018 قلبت كل حاجة.
الولد ده مش حفيدنا ومش هنمثل غير كده.
قرأت سارة الرسالة من أمها في اللحظة اللي كان كل الموجودين فيها بيغنّوا سنة حلوة يا جميل لابنها آدم اللي كمل سنة.
الموبايل فضِل ثابت في إيدها كأنه تقيل فجأة.
برا، كان جوزها كريم شايل الطفل قدام تورتة فانيليا عليها كريمة زرقا، وبيحاول يمنعه يغمس إيده فيها بدري. البلالين بتتحرك مع الهوا السخن، والكراسي البلاستيك بتعمل صوت خفيف، وسماعة قديمة بتشغل أغاني أطفال محدش مركز معاها.
كل حاجة كانت بسيطة بس جميلة.
سارة جهزت الحفلة دي بقلبها قبل فلوسها. عملت الجيلي من الليلة اللي قبلها، وفرشت الترابيزة بمفرش بسيط، وعلّقت حروف دهبية على الحيطة مكتوب عليها
أول سنة ليا.
واحدة من الحروف كانت مائلة، بس ما اهتمتش.
كل اللي كانت عايزاه إن ابنها لما يكبر ويشوف الصور، يعرف إنه كان محبوب ومحتفل بيه
حتى لو جده وجدته من ناحيتها ماجوش.
لفترة طويلة، سارة كانت بتحاول تقنع نفسها إن غياب أهلها مش هيوجعها.
أبوها الحاج محمود كان دايمًا شايف إن كريم أقل من بنتُه، رغم إنه اشتغل من وهو صغير وبنى شغله بإيده.
وأمها الحاجة نادية كانت تقول كلام حلو بس فيه سم.
اتجوزتي عشان تتعبي.
الراجل ده مش في مستواكي.
العيال بتيجي تربط مش تبارك.
سارة اتعلمت تبتسم عشان ما تتخانقش.


واتعلمت تسكت عشان ما تكبّرش المشاكل.
واتعودت تبعت فلوس
مرة عشان كارت البنك،
مرة عشان فاتورة الكهربا،
ومرة عشان ظرف طارئ كل أسبوعين.
لكن لما آدم اتولد حاجة جواها بدأت تتغير.
كانت تبص له وهو نايم، وإيده الصغيرة مقفولة، وتفكر
ولا طفل يستاهل يكبر وهو فاكر إن الحب بيتشري بالطاعة.
عشان كده، رغم خوفها، عزمت أهلها على عيد الميلاد.
ما ترجّتش.
ما ضغطتش.
بس بعتت العنوان وكتبت
هنبقى مبسوطين لو جيتوا عشان آدم.
الرد جه متأخر وقاسي.
الولد ده مش حفيدنا.
سارة حسّت إن صوت الحفلة اختفى فجأة.
ما عيطتش.
حتى ما أخدتش نفس عميق.
بس فضلت باصة في الشاشة لحد ما هدوء غريب دخل قلبها، كأن باب قديم اتقفل أخيرًا.
كتبت
تمام. من النهارده أنا كمان مش بنككم. مفيش فلوس تاني، ولا تحويلات، ولا إنقاذات، ولا أعذار.
وبعتت الرسالة.
بعد أقل من دقيقة، أبوها اتصل.
ردّت وهي واقفة مكانها في المطبخ.
إيه الهبل اللي عملتيه ده؟ قالها بنبرة سخرية.
ما تتهوريش يا سارة. حاجة إنك زعلانة، وحاجة إنك تتخيلي نفسك قوية.
بصّت من الشباك.
آدم كان ضاحك، ووشه كله متبهدل كريمة، وكريم بيعدّل له تاج كرتون على راسه.
ما تطلبوش مني حاجة تاني. قالت بهدوء.
سكت ثانيتين.
افتكري مين اللي رباكي.
شدّت على الموبايل.
وانتوا افتكروا إنتوا قلتوا إيه عن ابني.
ضحك ضحكة ناشفة.
إنتي مش فاهمة إنتي بتلعبي مع مين.
سارة قفلت الخط.
وبمجرد ما طفت الموبايل وصلت رسالة من أمها
لو قفلتي حنفية الفلوس إحنا نقدر نفتح حاجات إنتي فاكرة إنها اتقفلت من زمان.
سارة حسّت الأرض بتتهز تحت رجليها.
ما كانتش
متخيلة إن الموضوع لسه هيبدأ
وإن أسرار سنة 2018 ممكن تغيّر كل حاجة.
لو كنت مكانها تعمل إيه؟
تسامح عشان دول أهلك؟
ولا تقفل الباب للأبد؟
سارة فضلت واقفة مكانها، والموبايل في إيدها بيرتعش خفيف.
رسالة أمها ما كانتش تهديد عادي
كانت بتفكرها بحاجة هي حاولت تنساها سنين.
أوراق 2018.
الجملة دي رجعت في دماغها كأنها صوت قديم بيخبط على باب مقفول.
برا، الضحك كان لسه شغال، والأطفال بيجروا حوالين الترابيزة، وحد بيزعق
يلا يا جماعة نصور التورتة!
لكن سارة ما كانتش سامعة حاجة.
دخل كريم المطبخ وهو شايل آدم، ولسه الضحكة على وشه
إيه يا سارة؟ فين السكينة؟ الناس مستنية
وقف فجأة.
وشها كان متغيّر.
في إيه؟
سارة حاولت تتكلم بس صوتها خرج واطي
ماما بتهددني.
كريم عقد حواجبه
بإيه يعني؟
ناولته الموبايل.
قرأ الرسالة وسكت.
ثانيتين ثلاثة وبعدين رفع عينه ليها
هو إيه موضوع 2018 ده؟
القلب بتاعها دق بسرعة.
كانت عارفة إن اللحظة دي هتيجي يوم
بس ما كانتش متخيلة إنها هتبقى بالشكل ده.
بصّت لآدم اللي كان بيضحك ومش فاهم أي حاجة.
وبعدين قالت
لازم نقفل الحفلة بدري.
سارة
لو سمحت يا كريم، مش وقته دلوقتي.
بعد نص ساعة، الضيوف مشيوا.
فيه اللي استغرب، وفيه اللي قال إن الطفل تعب، وفيه اللي حس إن فيه حاجة غلط
بس محدش سأل كتير.
البيت سكت.
آدم نام بسرعة من التعب.
وسارة قعدت على الكنبة، وإيديها متشابكة بقوة.
كريم قعد قدامها مباشرة
أنا مستني.
رفعت عينيها له، وفيها خوف واضح
فاكر لما قلت لك إني كنت شغالة في شركة قبل ما نتجوز؟
أيوه.
أنا ما سيبتهاش بإرادتي
سكتت
لحظة.
أنا اضطريت أوقّع على أوراق أوراق أنا ما قريتهاش كويس.
كريم حس بشيء مش مريح
يعني إيه؟
دموعها بدأت تنزل
بابا وقتها كان مديون وكان فيه قضية وقال لي إن دي مجرد ضمان حاجة شكلية
وسمعتي كلامه؟
هزّت راسها ببطء
كنت فاكرة إني بساعده
وطلّع إيه؟
صوتها بقى أضعف
طلّع إن باسمي اتسجلت شراكة في شركة فيها معاملات مش قانونية.
الصمت نزل تقيل على المكان.
كريم اتجمد مكانه
إنتي بتهزري؟
والأسوأ
خدت نفس مهزوز
فيه توقيعات ممكن تخليني مسؤولة قانونيًا عن كل حاجة حصلت.
كريم قام وقف فجأة، ومشى خطوتين لقدام وبعدين رجع
وأهلك ساكتين على ده كله؟!
سارة مسحت دموعها
مش ساكتين هم اللي ورّطوني.
يعني التهديد ده
معناه إنهم مستعدين يفتحوا الملف ده لو ما رجعتش أبعت لهم فلوس.
في اللحظة دي موبايل سارة رن تاني.
رقم غريب.
بصّت لكريم وبعدين ردّت.
ألو؟
صوت راجل غريب رد بهدوء
مدام سارة؟ إحنا من مكتب محاماة وحضرتك مطلوب حضورك بخصوص مستندات موقّعة باسمك سنة 2018.
سارة حسّت الدنيا بتلف.
والراجل كمل
وفيه بلاغ ممكن يتقدّم خلال أيام لو ما تمش حل الموضوع وديًا.
قفلت المكالمة وبصّت لكريم.
المرة دي، ما كانش فيه خوف بس
كان فيه إدراك.
إن الحرب الحقيقية لسه ما بدأتش.
يتبع 
لو كنت مكان سارة
هتواجه وتقلب الطاولة؟
ولا تحاول تحل الموضوع بهدوء قبل ما حياتها كلها تنهار؟
سارة فضلت باصة في الفراغ بعد ما قفلت المكالمة
قلبها بيدق بسرعة، لكن لأول مرة الخوف ما كانش مسيطر عليها بالكامل.
كان فيه حاجة تانية بتكبر جواها
غضب.
كريم كسر الصمت
مفيش وقت نخ .
اف. لازم
نتحرك.
بصّت له سارة وكأنها بتصحى من صدمة
هنتحرك إزاي؟ ده أنا ممكن أتحبس!
مش لو كنا أذكى منهم.
الجملة دي وقفتها.
تقصد إيه؟
كريم قرب منها وقعد
إنتي قولتي
تم نسخ الرابط