الفصل الأول امراه مجهوله

لمحة نيوز

الفصل الأول
امراه مجهوله
​كان الليل حالك السواد، كأنه ثوب حزنٍ أسدل ستايره على المدينة بأكملها. في الأعالي، تكاتفت الغيوم الرمادية الكثيفة، زاحفةً ببطء لتطمس كل شعاع أمل؛ حجبَت نور النجوم البعيدة، وخنقت ضوء القمر تماماً، فلم يتبقَّ سوى ظلام دامس يبتلع التفاصيل.
​من بين أزقة الشوارع المظلمة، خرجت امرأة تجري بكل ما أوتيت من قوة. أنفاسها المتلاحقة كانت تمزق صمت الليل، وقدميها الحافيتين تكادان لا تلمسان الأرض من فرط السرعة. كانت تتلفت يمينًا ويسارًا، وتنظر خلفها كل بضع ثوانٍ بجسد ينتفض خوفاً ورعباً. كل ظلال شجرة تظنه وحشاً يطاردها، وكل حركة ريح تحسبها خطوات تقترب منها.
​تلك الهاربة في غياهب الليل، الخائفة من ظلّها... 
​نادين لم تكن تهرب من مجرم مجهول، بل كانت تهرب من جحيم حياتها الزوجية. هي زوجة لرجل ذو نفوذ وسلطة، رجل يهابه الجميع في الخارج، واسمه طارق الشاطر، ضابط الشرطة المهم الذي استغل بذلته الرسمية وسلطته ليمارس أشد أنواع القسوة والتحكم داخل جدران منزلهما.
​لم يكن طارق يعرف لغة الحوار؛ كانت الشدة

والقسوة هما أسلوبه الدائم في التعامل معها. حوّل حياتها إلى سجن كبير، وكان الشك المرير ينهش عقله وقلبها، حتى قررت نادين في تلك الليلة أن تضع حداً لهذا العذاب، وتختفي تماماً من حياته.
​بينما كانت تجري، والدموع تحرق وجنتيها، هاجمتها ذكريات الليلة الماضية كطعنات خنجر في صدرها. تذكرت الحفلة الكبيرة التي أقامتها بمناسبة عيد زواجهما، كيف كانت تبتسم زيفاً أمام الضيوف وتتظاهر بالسعادة. وفي لحظة عفوية، تبادلت بضع كلمات عابرة مع زوج جارتها، الذي كان أحد المدعوين للحفل.
​لم تكن تدري أن عيون طارق كانت تراقبها بشزر، والشك يملأ قلبه المريض. بمجرد أن أُغلق الباب وانصرف آخر الضيوف، تحول طارق إلى وحش كاسر.
​الغضب الأعمى: صرخ بوجهها متسائلاً عن سبب حديثها مع ذلك الرجل؟؟ 
​القسوة المفرطة: لم ينتظر إجابة، بل خلع حزام بذلته العسكرية الرسمية بملامح قاسية خالية من أي رحمة.
​ انهال عليها بالضرب بكل ما أوتي من قوة، وهي تصرخ وتستجير، لكن دون جدوى.
​تذكرت نادين تلك الليلة السوداء القديمة، ليلة أن كانت حاملاً في شهرها الثالث،
وكيف أجهضت جنينها تحت وطأة ضربه وركله. بعد تلك الكارثة، بكى وقدم لها الاعتذار والوعود بالبقاء كحمامة سلام، لكن الذئب لا يغير طباعه. عاد الشك وعاد الضرب، وعلمت نادين أنه لن يتغير أبداً.

​أثناء ركضها المتواصل، كانت الأفكار تتصارع في رأسها المنهك. كيف تتخلص من هذا الجحيم؟
​"هل أقتله وأرتاح من شره؟" فكرت، لكنها علمت أن نفوذه كرجل شرطة سيجعلها خلف القضبان قبل أن تجف دماءه.
"هل أقتل نفسي وأنهي هذا العذاب؟" فكرت في الانتحار، وبدت الفكرة مغرية لإنهاء الألم فوراً.
​قادتها قدماها المضطربتان إلى ضفة النهر العريض الذي يمتد مباشرة أمام منزلها. كان النهر في تلك الساعة يبدو كقبر أسود عميق. وصلت إلى الحافة تماماً، ونظرت إلى المياه المظلمة التي تتلاطم بهدوء. رفعت قدمها لتخطو خطوة الموت...
​لكن، في جزء من الثانية، انتفضت غريزة الحياة داخلها. تراجعت خطوة إلى الخلف وهي تتنفس بصعوبة.
​"لماذا أموت أنا ويعيش هو مستمتعاً بحياته؟ لن أمنحه متعة موتي!"
​لمعت في رأسها فكرة جهنمية أشد ذكاءً وتأثيراً. فكرة تجعلها تختفي للأبد وتترك
له لغزاً يلتهم عقله.
​بسرعة وهدوء، فتحت حقيبة صغيرة كانت تخبئها تحت معطفها. بدأت بتنفيذ خطتها بدقة:
​ خلعت معطفها الخارجي وملابسها التي كان طارق يعرفها جيداً، وتركتها على حافة النهر بطريقة توحي بأن صاحبها ألقى بنفسه في الأعماق.
​ أخرجت من الحقيبة ملابس أخرى مختلفة تماماً، ملابس بسيطة ومتواضعة لم يرها بها من قبل، وارتدتها بسرعة.
و​إخفاء الهوية: قامت بلف وشاح حول رأسها وجزء من وجهها، لتبدو كامرأة أخرى تماماً في عتمة الليل.
​نظرت نادين نظرة أخيرة إلى ملابسها الملقاة على الحافة، وابتسمت ابتسامة غموض ونصر وسط دموعها. التفتت وغادرت المكان بخطوات سريعة وثابتة نحو محطة القطار، تاركة خلفها "نادين الميتة غرقاً"، لتبدأ حياة جديدة بامرأة لا يعرفها أحد.
​صباح الغد سيتلقى الضابط طارق الشاطر بلاغاً عن وجود ملابس زوجته على ضفة النهر... وتبدأ رحلة بحثه عن جثة لن يجدها أبداً!
​هل سينطلي هذا الفخ على ضابط الشرطة الذكي؟ أم أن شكوكه ستقوده للبحث عنها بمكان اخر هذا ماسوف نعرفه الحلقه القادمه
بقلم ملكه الحكايات والروايات
تعليقات
بسرررعه القصه مثيره؟!!

تم نسخ الرابط