الفصل الثاني امراه مجهوله

لمحة نيوز

الفصل الثاني
امراه مجهوله
​مع خيوط الفجر الأولى، لم تكن الشمس هي ما أشرق على المدينة، بل كان ضبابٌ رمادي كئيب يزحف فوق وجه النهر. تحركت قوارب الإنقاذ النهري كأشباح تبحث عن وهم، بينما وقف العقيد طارق الشاطر على الضفة، متصلبًا كتمثال من رخام، وعيناه الصقريتان تحدقان في المعطف الملقى بإهمال على الحافة.
​كانت البذلة العسكرية الرسمية التي يرتديها تبدو خانقة في تلك اللحظة. لم يكن طارق يبكي، فالرجال من أمثاله يرون في الدموع ضعفًا، لكن عروق عنقه كانت بارزة، وفكه مشدودًا لدرجة الألم.
​تحدث الرائد سامح، مساعده المقرب، بنبرة خفيضة مشوبة بالحذر:
​"يا فندم، الضفادع البشرية تمسح المجرى المائي منذ ساعتين. التيار قوي في هذه المنطقة، وإذا كانت المدام قد ألقت بنفسها في المنتصف... فقد يستغرق الأمر أيامًا قبل أن تطفو الجثة."
​زلزال في عقل الضابط
​استدار طارق ببطء، وعيناه تشتعلان بغضب مكتوم. لم تكن الصدمة هي ما يملأ قلبه، بل كان الكبرياء الجريح. كيف تجرأت على الهروب من سجنه؟ كيف تفعل هذا به وهو الرجل الذي ينحني له الجميع؟
​انحنى طارق، والتقط المعطف بيده. تحسس القماش،

وفجأة، سكنت حركته تمامًا.
ضاقت عيناه وهو يتأمل طريقة وضع الملابس. ثمة شيء غريب... شريط الذكريات بدأ يمر في عقله. تذكر نادين؛ تذكر خوفها، ارتجافها، وضعفها المستكين أمام ضرباته.
​هل تملك نادين الشجاعة لتنتحر؟
​المرأة التي بكت وتوسلت من أجل جنينها، هل تنهي حياتها بهذه السهولة؟
​بدأت حاسة الضابط المحترف تصطدم بمشاعره الكارهة للهزيمة. اقترب من حافة الماء، ورأى آثار أقدام غائرة في الطين. كانت الآثار تشير إلى اتجاه النهر... لكن، كانت هناك تفصيلة صغيرة جدًا لم يلحظها رجال المعاينة الجنائية: غصن شجرة مكسور في الاتجاه المعاكس، ونقطة دم جافة صغيرة على ورقة شجر قريبة، ربما جرحت نادين قدمها الحافية وهي تركض نحو الطريق العام، وليس نحو الموت!
​تمتم طارق بصوت أشبه بفحيح الأفعى:
"تريدين إقناعي بأنكِ متِّ؟.. نادين، أنتِ أجبن من أن تموتي، وأنا أعرفكِ أكثر من نفسكِ."
​في هذه الأثناء، وعلى بعد كيلومترات قليلة، كانت "مريم" —الاسم الجديد الذي اختارته نادين لنفسها— تجلس في زاوية منزوية بقطار الأقاليم المتجه إلى أقصى الصعيد، حيث القرى النائية التي لا يسمع عنها أحد.
​كانت
ترتدي عباءة سوداء فضفاضة، وتلف وجهها بوشاح سميك لا يظهر منه سوى عينيها المجهدتين. كانت دقات قلبها تتسارع مع كل حركة للمفتش، ويدها تقبض بقوة على حقيبتها الصغيرة التي تحتوي على كل ما تملك: مبلع مالي صغير كانت قد اختلسته من خزنة طارق على مر الشهور، وبطاقة هوية مزورة اشترتها قبل أسابيع من عامل سابق لديهم في المنزل، لامرأة متوفاة تشبهها في السن تقريبًا.
​نظرت نادين عبر النافذة إلى الحقول الممتدة، وشعرت لأول مرة منذ سنوات بنسمة هواء باردة تلامس صدرها دون خوف. لقد ماتت نادين الخاضعة، وخلقت مريم الجديدة. لكن الخوف لم يختفِ تمامًا؛ كانت تعلم أن طارق ليس رجلًا عاديًا، وأنه لن يهدأ حتى يرى جثتها بعينيه... أو يجدها حية!
​الشك القاتل
​عاد طارق إلى مكتبه في مقر المديرية. أغلق الباب بعنف وجلس خلف مكتبه الضخم. كان التقرير المبدئي أمامه يشير إلى "انتحار ناتج عن اضطراب نفسي"، لكنه لم يوقع عليه.
​أخرج هاتفه واتصل برقم سري:
"اسمعني جيدًا... أريدك أن تحضر لي تسجيلات كاميرات المراقبة للمحلات والشوارع المحيطة ببيتي في نطاق كيلومترين، من الساعة الثانية بعد منتصف الليل وحتى
السادسة صباحًا. أريد كل شاردة وواردة."
​صوت الطرف الآخر جاء مترددًا: "لكن يا فندم، النيابة اعتبرت الحادث انتحارًا بوجود الملابس..."
​قاطعه طارق بنبرة حادة كالسكين:
​"النيابة ترى ما أريدها أن تراه! أنا لا أؤمن بالظواهر. زوجتي لم تمت... نادين تلعب معي لعبة، ولم يخلق بعد من يتلاعب بطارق الشاطر. ابحث عن أي امرأة غادرت المنطقة سيراً على الأقدام، أو استقلت سيارة أجرى في ذلك الوقت!"
​المواجهة غير المرئية
​بينما كان القطار يطلق صفارته معلنًا وصوله إلى المحطة الأخيرة في بلدة صغيرة غارقة في البساطة، كانت نادين تنزل خطوة بخطوة نحو حياتها الجديدة. تدرك أن خطوتها الأولى نجحت، لكنها تدرك أيضًا أن غريمها هو الشيطان نفسه بذراع عسكرية ونفوذ يمتد عبر البلاد.
​في تلك اللحظة، في مكتبه، كان طارق يقف أمام لوحة بيضاء، شطب بيده على كلمة "ماتت غرقًا"، وكتب تحتها باللون الأحمر القاني: "حَيّة.. وتبحث عن مأوى".
​هل ستنجح نادين (مريم) في الاختباء داخل ثوبها الجديد وسط مجتمع لا يعرفها؟ وكيف سيكون الخيط الأول الذي سيقود الضابط طارق إلى مكانها؟ هذا ما سنعرفه في الفصل القادم.
بقلم
ملكه الروايات والحكايات.. M..

تم نسخ الرابط