الفصل الثالث امراه مجهوله

لمحة نيوز

الفصل الثالث
امراه مجهوله 
أنفاس ملاحَقة!! 
​اندمجت "مريم" مع حشود المسافرين في محطة قطار بلدة "كفر الشيخ"، وهي مدينة تجمع بين صخب الحضر وهدوء الريف، اختارتها بعناية لتواريها عن الأنظار. لم يكن اختيارها عشوائيًا؛ بل كانت تبحث عن مكان متوسط، لا هو بالعاصمة الصاخبة حيث يسهل رصدها عبر الكاميرات الحديثة، ولا بالقرية الصغيرة النائية حيث تثير هوية أي غريب الفضول والتساؤلات.
​أمسكت بطرف وشاحها، تشده أسفل عينيها، وهي تسير بخطوات متزنة تخفي خلفها رعبًا ينهش ضلوعها. استأجرت غرفة متواضعة في حارة ضيقة تفوح منها رائحة الخبز الطازج والتراب المبلل، في منزل تمتلكه سيدة مسنة تُدعى "الحاجة فاطمة"، وهي امرأة طيبة الملامح، ضعيفة البصر، غمرتها الطمأنينة ما إن رأت هدوء الفتاة وانكسار عينيها.
​قالت نادين بنبرة منخفضة مصطنعة:
​"أنا مريم يا حاجة فاطمة.. ممرضة مغتربة، جئت للعمل في مستوصف القرية المجاورة، وأريد مكانًا هادئًا أرتاح فيه بعد عناء السفر."
​رحبت بها العجوز دون أن تدري أنها تؤوي هرباً من إعصار لا يبقي ولا يذر. دخلت نادين غرفتها، أغلقت الباب بالمزلاج، وانهارت خلفه على الأرض.

وضعت يدها على فمها لتكتم شهقات بكائها؛ لقد نجت من الليلة الأولى، لكن الحرية التي دفعت ثمنها من دمها وجنينها الراحل كانت بطعم الخوف المُر
​في تلك الأثناء، كان الليل قد حل مجددًا في مكتب العقيد طارق الشاطر، لكنه لم يكن ليلاً عاديًا. كانت الأجواء مشحونة، والدخان المتصاعد من سجائره يشكل سحابة كثيفة تحجب ملامحه القاسية. أمامه على المكتب، كانت شاشات الحاسوب تعرض تفريغ كاميرات المراقبة المحيطة بمنطقة النهر.
​كان مساعده، الرائد سامح، يقف خلفه وعلامات الإرهاق بادية على وجهه:
"يا فندم، راجعنا الكاميرات في محيط كيلومتر كامل.. لم يظهر أي أثر للمدام. النهر ابتلعها، هذا هو التفسير الوحيد والمنطقي."
​ضرب طارق مكتبه بقبضة يده ليصمت الجميع، وقال بصوت هادئ يحمل تهديدًا مرعبًا:
"المنطق للضعفاء يا سامح.. أنا أعلم كيف تفكر نادين. انظر إلى هذه الشاشة."
​أشار بإصبعه السبابة إلى شاشة عرضت لقطة باهتة من كاميرا محطة وقود تبعد عن النهر بنحو ثمانمائة متر. كانت اللقطة لامرأة ترتدي عباءة سوداء، وتلف رأسها بوشاح، تسير بسرعة متجهة نحو مواقف سيارات الأجرة (الميكروباص) المتجهة للأقاليم، في تمام الساعة
الرابعة فجرًا.
​تابع طارق وعيناه تلمعان بنور شيطاني:
​"نادين طول عمرها ناعمة، تمشي بخطوات قصيرة ومتلاحقة بسبب قصر قامتها نسبيًا. انظر لخطوات هذه المرأة.. رغم العباءة الواسعة، ورغم محاولتها إخفاء مشيتها، إلا أن مركز ثقل جسدها يميل لليمين قليلاً عندما تسرع.. تماماً كما تفعل نادين عندما كانت تهرب مني إلى غرفتها! إنها هي.. الخائنة حية وتتنفس!"
​لم يضع طارق دقيقة واحدة. انطلق برفقة قوة صغيرة إلى موقف السيارات الذي ظهر في الكاميرا. وبأسلوبه الصارم المستغل لسلطته، استجوب السائقين الذين عملوا في النوبة الليلية السابقة واحدًا تلو الآخر.
​بعد ساعات من الترهيب والضغط، تذكر أحد السائقين الخائفين الملامح:
"يا فندم.. نعم، أذكر امرأة ركبت معي في سيارة الفجر. كانت ترتعش كالعصفور، ولم تنطق بكلمة سوى عندما سألتني عن القطارات المتجهة لوجه بحري، ونزلت قرب محطة قطار الضواحي."
​ضحك طارق ضحكة باردة هزت أرجاء المكان، ضحكة صياد وجد أخيرًا أثر فريسته. استدار إلى رجاله وقال:
"اجمعوا لي كشوفات المسافرين، وافحصوا أي تذكرة قُطعت بعد الرابعة والنصف فجرًا. أريد أسماء كل النساء اللواتي استقللن قطارات
بحري في ذلك الوقت.. حتى لو كانت الأسماء مزورة، سنصل إليها."
​بداية المطاردة الصامتة
​في غرفتها المظلمة، كانت نادين تنظر إلى مرآة قديمة مكسورة تشوه وجهها. أمسكت بمقص، وبدأت تقص خصلات شعرها الطويل الناعم الذي كان طارق يتغزل فيه يوماً قبل أن يسحلها منه. قصته بعنف وقسوة، وكأنها تقص آخر حبال تربطها بماضيها الأليم.
​نظرت إلى نفسها بعد أن أصبح شعرها قصيرًا كالصبيان، وارتدت النظارة الطبية ذات الإطار الأسود العريض التي اشترتها لتغيير ملامح عينيها.
​وفجأة.. تناهى إلى مسامعها صوت سارينة سيارة شرطة تمر في الشارع الرئيسي القريب من الحارة. تجمدت الدماء في عروقها، وشعرت أن أنفاس طارق تقترب من عنقها، وكأن جدران الغرفة تضيق عليها لتخنقها.
​كانت اللعبة قد بدأت بالفعل؛ طارق لم يعد يبحث عن زوجة هاربة، بل عن كرامته العسكرية التي هُدرت، ونادين لم تعد تقاتل من أجل حريتها فحسب، بل من أجل بقائها على قيد الحياة.
​هل ستكتشف نادين أن طارق بات على أول خيط يقوده إليها قبل أن يطرق بابها؟ وما هي المفاجأة التي تنتظر طارق في كشوف المسافرين وتقلب حساباته رأساً على عقب؟ هذا ما سنعرفه في الفصل القادم.

بقلم ملكه الروايات M

تم نسخ الرابط