الفصل الرابع امراه مجهوله

لمحة نيوز

الفصل الرابع
امراه مجهوله
​أمضت نادين ليلتها الأولى في تلك الغرفة الباردة تتقلب فوق فراشها المتواضع كمن ينام على جمر. كل صرير لباب خشبي في الحارة، وكل نباح كلب ضال في العتمة، كان يتردد في مسامعها كأنه صوت وقع أقدام طارق الثقيلة.
​مع شروق شمس اليوم التالي، قررت ألا تستسلم للشلل الذي يسببه الخوف. "مريم" يجب أن تبدأ حياتها كشخص حقيقي ومرئي حتى لا تثير الشكوك كشبح يختبئ في الظلال. ارتدت نظارتها الطبية ذات الإطار الأسود العريض، ولفّت وشاحها بإحكام، ثم نزلت لمساعدة الحاجة فاطمة في باحة المنزل الصغيرة.
​أثنت العجوز على نشاطها قائلة بابتسامة دافئة:
​"بارك الله فيكِ يا ابنتي.. وجهكِ يحمل همومًا لا تليق بسنكِ الصغير، لكن العمل ينسي الهموم. هل ستبدأين العمل في المستوصف اليوم؟"
​أومأت نادين برأسها مدعية الطمأنينة:
"نعم يا خالة، سأذهب اليوم لترتيب أوراقي واستلام نوبتي. دعي لي دعوة صالحة."
​خرجت نادين إلى شوارع البلدة، وبدأت تتصرف بذكاء؛ اشترت بعض المستلزمات الطبية البسيطة والشاش والمطهرات من صيدلية محلية لتؤكد روايتها أمام الجيران إن رأوها، وحرصت على أن تسير دائمًا مطأطئة الرأس، متجنبة أي عين قد تدقق في تفاصيل وجهها.
​خديعة الأسماء

المزورة
​في مديرية الأمن، كان العقيد طارق الشاطر يجلس أمام جهاز حاسوب محمول، يراجع كشوف المسافرين التي جلبها رجاله من محطة القطار. كانت عيناه الحمراوان من أثر السهر والقهوة المركزة تلتهمان الأسماء التهامًا.
​وقف الرائد سامح بجانبه، يحمل ملفًا آخر:
"يا فندم، حصرنا جميع الركاب من النساء اللواتي استقللن قطارات وجه بحري في ذلك التوقيت. استبعدنا الكبيرات في السن والصغيرات جدًا، وتبقى لدينا خمسة أسماء فقط قُطعت تذاكرهن نقداً في اللحظات الأخيرة."
​ألقى طارق نظرة فاحصة على الأسماء، ثم ابتسم ابتسامة ساخرة ملتوية:
"فاطمة.. زينب.. مريم.. منى.. أسماء تقليدية للغاية، اختيار مثالي لمن يريد الاختفاء. أين قطعت صاحبة اسم 'مريم' تذكرتها؟"
​أجاب سامح: "إلى كفر الشيخ يا فندم. وبالمناسبة، قمنا بمطابقة الاسم مع السجلات المدنية الرقمية، الاسم يعود لامرأة توفيت قبل عامين في إحدى قرى الدلتا!"
​انتفض طارق من مقعده كالأسد الذي لمح فريسته، وضرب الطاولة بيديه:
​"وقع الساذج في الفخ! نادين غبية.. ظنت أن شراء بطاقة هوية مزورة لامرأة ميتة سينطلي عليّ. لقد نسيت أنني من يدير منظومة التحريات هنا! جهز القوة يا سامح، سنتحرك فوراً إلى كفر الشيخ."
​حدس القاتل
وفطنة الهاربة
​بينما كانت سيارات الشرطة المموهة تشق طريقها عبر الطريق الزراعي بسرعة جنونية، كانت نادين تجلس في مقهى صغير قريب من محطة القطارات بكفر الشيخ، تحتسي الشاي وتراقب الحركة.
​وفجأة، لمح رادار خوفها الفطري شيئاً غير طبيعي. عند مدخل المدينة، رأت سيارتين مدنيتين داكنتي الزجاج تتوقفان، ونزل منهما رجال بملابس مدنية لكن بنيانهم الجسدي وطريقة وقوفهم وتلفتهم لا تدع مجالاً للشك... إنهم رجال مباحث. وفي السيارة الأولى، لمحت من بعيد طيف ذلك الجسد الفارع والملامح الحادة التي طالما زارتها في كوابيسها.
​طارق هنا!
​لم يصبها الشلل هذه المرة؛ بل تدفق الأدرينالين في جسدها كشحنة كهربائية. أدركت في جزء من الثانية أن بطاقتها المزورة قد كُشفت، وأن بقاءها في منزل الحاجة فاطمة يعني نهايتها الحتمية خلال ساعات.

​عوضًا عن الركض والارتباك الذي قد يثير الانتباه، قامت نادين بهدوء، ودفعت ثمن الشاي، وسارت بخطى وئيدة نحو السوق الشعبي المزدحم القريب. دخلت وسط حشود النساء اللواتي يشترين الخضار والملابس، مستغلة التدافع والزحام لتختفي تمامًا عن الأنظار.
​في غضون ذلك، وصل طارق ورجاله إلى منزل الحاجة فاطمة بناءً على تتبع بائع خطوط الهاتف الذي اشترت
منه نادين شريحة هاتفها الجديدة باسمها المزور.
​اقتحم رجال الشرطة المنزل الصغير، ليرعبوا السيدة المسنة. دخل طارق إلى الغرفة الضيقة، وبحث بعينيه في أرجائها. لم يجد سوى بضع خصلات من شعر نادين الأسود الطويل ملقاة في سلة المهملات، ومعها نظارة شمسية قديمة كانت ترتديها في الماضي.
​التقط طارق خصلات الشعر بيده، واستنشق رائحتها، ثم ضغط عليها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وقال بصوت يقطر غيظًا:
​"قصصتِ شعركِ الخائن؟ غيرتِ ملامحكِ؟ اهرُبي كما تشائين يا نادين.. فكلما زاد مكركِ، زادت متعتي وأنا أحطم عظامكِ عندما أمسك بكِ!"
​استدار إلى رجاله وصرخ: "أغلقوا مخارج ومداخل المدينة! إنها لا تزال هنا.. لم تبتعد بعد!"
​في هذه الأثناء، كانت نادين تقف خلف شاحنة نقل بضائع كبيرة متجهة نحو الطريق الصحراوي المؤدي إلى الإسكندرية، تتشبث بهيكلها الحديدي بيدين ترتجفان، والدموع تنهمر من عينيها تحت نظارتها الجديدة. لقد نجت للمرة الثانية بفارق دقائق.. لكن الحبل بات يضيق حول عنقها بشدة.
​هل ستتمكن نادين من مغادرة محيط المدينة قبل أن يُحكم طارق حصاره؟ وما هي الورقة الرابحة الجديدة التي ستلجأ إليها لتواجه نفوذه المطلق؟ هذا ما سنعرفه في الفصل القادم.
بقلم ملكه
الروايات  .. 🌹M..🌹

تم نسخ الرابط