الفصل الخامس امراه مجهوله
الفصل الخامس
امراه مجهوله
تحت سقف الشاحنة الخشبية، وبين صناديق الخضار التي تفوح منها رائحة الأرض، كانت نادين تنكمش على نفسها كجنين يخشى الخروج إلى العالم. كانت الشاحنة تهتز بعنف فوق الطريق الصحراوي غير الممهد، وكل هزة كانت تضرب جسدها المنهك وتذكرها بآلام ضرب طارق.
أخرجت هاتفها المحمول الصغير—الذي نزعت منه الشريحة القديمة فور رؤيتها لرجال الشرطة—ونظرت إلى شاشته المظلمة. أدركت أن السلاح الوحيد الذي يملكه طارق ضدها هو السلطة والمعلومات؛ هو يتحرك بناءً على خيوط تكنولوجية وأوراق رسمية، وإذا أرادت النجاة، فعليها أن تصبح "غير مرئية" تمامًا للنظام. لا هواتف، لا بطاقات، لا قطارات، ولا طرق شرعية.
بعد ساعتين من الرعب المتواصل، توقفت الشاحنة في استراحة ريفية شبه مهجورة على أطراف محافظة البحيرة. تسللت نادين من خلف الشاحنة بحذر، وقدميها تكادان تخذلانها من فرط التعب. استقرت في زاوية مظلمة وراء الاستراحة، تلتقط أنفاسها وتفكر في خطوتها التالية.
في هذه الأثناء، كان كفر الشيخ يغلي. تحولت شوارع المدينة إلى ثكنة عسكرية غير معلنة. كان طارق يقف في وسط غرفة العمليات المؤقتة التي أنشأها في مركز الشرطة، يحيط به عدد من الضباط والجنود الذين يرتعدون خوفًا من نظراته.
تقدم الرائد سامح بتردد،
"يا فندم.. قمنا بتمشيط محطة القطار، ومواقف السيارات، وسألنا جميع سائقي الأجرة. المؤشرات تقول إنها لم تستخدم أي وسيلة نقل عامة بعد خروجها من منزل السيدة المسنة."
ركل طارق المقعد الأمامي بيده ليتطاير محطمًا في أرجاء الغرفة، وصرخ بصوت يشبه زئير وحش جريح:
"أريد تقارير الأقمار الصناعية وكاميرات الطرق السريعة! امرأة بمفردها، بقصّة شعر جديدة، وبملابس رثة.. لا يمكن أن تختفي في الهواء! نادين ليست ذكية بهذا الشكل، هناك من يساعدها.. ابحثوا في سجل مكالماتها القديم، اعتقلوا جارتها التي تحدثت مع زوجها في الحفل! اريد أي خيط!"
بدأ الشك يتطور لدى طارق إلى حالة من الهوس العقلي. لم يعد الأمر مجرد قضية هروب؛ أصبح يرى نادين في كل زاوية، ويشعر أن نفوذه وهيبته كرجل شرطة يهابه الجميع يتآكلان مع كل ساعة تمر دون القبض عليها.
في الاستراحة المهجورة، علمت نادين أن وجهتها القادمة يجب أن تكون مدينة الإسكندرية، وتحديدًا منطقة "المكس" أو "القباري"—حيث الأحياء العشوائية المتداخلة والموانئ الصغيرة التي يعيش فيها الصيادون والخارجون عن القانون، وحيث لا تسأل الشرطة كثيرًا عن الهويات هناك.
اشترت نادين بآخر ما تملكه من نقود سائلة ملابس فضفاضة للغاية لامرأة بدوية من أحد الباعة المتجولين
استقلت سيارة (نصف نقل) مخصصة لنقل العمال الزراعيين، واندمجت وسط النسوة العاملات. كانت تستمع إلى أحاديثهن العادية عن لقمة العيش والغلاء، وشعرت لأول مرة بأنها تنتمي إلى عالم حقيقي، عالم يقاتل من أجل الحياة، وليس عالمًا يقاتل فيه المريض بالشك لتدمير الحياة.
الصدمة التي لم يتوقعها طارق
بحلول المساء، وبينما كان طارق يراجع كشوف الكاميرات بعصبية مفرطة، رن هاتفه الشخصي. كان المتصل هو اللواء مدير أمن المحافظة بنفسه.
اتخذ طارق وضع الاستعداد وتحدث بنبرة عسكرية: "تمام يا فندم.. نحن على وشك الإمساك بها."
جاء صوت اللواء حادًا ومستنكرًا:
"طارق! ما الذي تفعله في كفر الشيخ؟ وما هذا الحصار الذي فرضته على المدينة بدون إذن نيابة أو أمر رسمي؟ البلاغات تنهال علينا من الأهالي، ووسائل التواصل الاجتماعي بدأت تتحدث عن حملة أمنية غامضة! هل فقدت عقلك؟"
تجمد طارق في مكانه، وحاول تبرير موقفه: "يا فندم.. زوجتي هربت، وهي تحمل أسرارًا وتتلاعب بالأمن العام..."
قاطعه اللواء بنبرة قاطعة لا تقبل النقاش:
"زوجتك انتحرت بحسب المحضر الرسمي الذي وقّع عليه رجالك في البداية! كف عن هذا الجنون فورًا وعد إلى مكتبك في
تأرجحت السماء في عيني طارق. أغلق الهاتف ببطء، وشعر بنيران الغضب تحرق أحشاءه. نادين لم تنجح فقط في الهروب، بل بدأت بذكائها غير المباشر في تدمير مستقبله المهني ونفوذه الذي طالما استغله لكسرها.
نظر إلى الرائد سامح وقال بنبرة هادئة مرعبة، هدوء ما قبل العاصفة المدمرة:
"انسحبوا.. سنعود إلى القاهرة."
تعجب سامح: "وهل سنتركها يا فندم؟"
التفت طارق وعيناه تلمعان بشر مصفى:
"الشرطة لن تبحث عنها بعد الآن.. لكن أنا من سيبحث عنها. سأخلع هذه البذلة العسكرية إن تطلب الأمر، وسأتحول إلى صياد حر. سأتركها تظن أنها انتصرت، وتستقر في مأواها الجديد.. وعندما تطمئن تمامًا وتظن أنني نسيتها، سأظهر لها من بين الظلال لأنهي هذه اللعبة بطريقتي الخاصة."
وصلت نادين إلى شواطئ الإسكندرية ليلاً، ونظرت إلى البحر الهائج أمامها. تنفست الصعداء وهي تظن أن الحصار قد فُك.. لكنها لم تكن تعلم أن طارق قد تحول من ضابط يتبع القانون إلى وحش كاسر يتبع غريزة الانتقام المحض!
كيف ستعيش نادين في إسكندرية تحت هوية جديدة؟ وما هي أول غلطة غير مقصودة ستقترفها وتجعل طارق يحدد مكانها بدقة؟ هذا ما سنعرفه في الفصل القادم.
بقلم ملكه الروايات