الفصل السادس امراه مجهوله
الفصل السادس
امراه مجهوله
مرّت ثلاثة أشهر كاملة كأنها دهر. في أحد الأزقة الضيقة المتفرعة من منطقة "الأنفوشي" بالإسكندرية، حيث تشتبك حبال الغسيل وتفوح في الأجواء رائحة اليود والسمك المشوي، كانت نادين قد استقرت أخيرًا.
لم تعد هناك "نادين" ولا حتى "مريم الممرضة". الآن، أصبحت تُعرف بين جيرانها باسم "الست صابرين"، امرأة ثلاثينية مات زوجها في حادث—كما ادّعت—وجاءت تبحث عن رزقها ورزق طفلها الذي تزعم أنه يعيش مع جدته في الصعيد. استأجرت دكانًا صغيرًا للغاية لبيع أدوات الخياطة والأقمشة البسيطة، وعاشت حياة شحيحة متقشفة، تأكل الخبز والجبن، وتنام على مرتبة قطنية فوق الأرض.
أصبح قناع الخوف جزءًا من ملامحها؛ اختفت المساحيق، وجُزَّ شعرها تمامًا ليصبح تحت الحجاب كشعر الرجال، وارتدت عباءات فضفاضة داكنة تُخفي قوامها الأنثوي. لكن، رغم السكون الظاهري، كانت نادين في كل ليلة تجلس خلف باب دكانها المغلق، وتستمع إلى هدير أمواج البحر القريب، وهي تشعر ببرودة الحديد في معصميها كلما تخيلت وجه طارق.
الصياد المتخفي: خلع البذلة ولم يخلع الغلّ
في القاهرة، ساد الهدوء مكتب العقيد طارق الشاطر.
لم يعد يعتمد على أجهزة الدولة التي رُفعت يده عنها، بل أنفق نصف ثروته وشغل شبكة من المخبرين السريين، والبلطجية، وسائقي الشاحنات، و"الناضورجية" في مواقف الأقاليم. كان يعلم أن نادين حية، وأنها تحتاج إلى أمرين لتستمر: المال، والعيش في مكان شعبي مكتظ حيث يسهل الذوبان.
كان يجلس في شقته الفارغة، يرتشف الخمر، ويمسك بصورة نادين. لم يعد يرى فيها زوجة، بل يرى فيها "المتهم الهارب" الذي تجرأ على كسر هيبته. تمتم وهو يمرر نصل سكين حاد على حافة الصورة:
"أعلم أنكِ في مدينة ساحلية يا نادين.. بشرتكِ البيضاء لا تحتمل شمس الصعيد، والمدن الكبيرة مرصودة. أنتِ تتنفسين هوائي الآن.. وسأجدكِ
كانت نادين تظن أنها أحكمت إغلاق كل المنافذ، لكنها نسيت أن الإنسان كائن عاطفي، وأن العاطفة هي العدو الأول للهاربين.
في أحد الأيام، أصيبت "الحاجة فاطمة"—السيدة المسنة الطيبة التي آوتها في كفر الشيخ قبل
اعتصر قلب نادين ألمًا على السيدة التي عُذبت بسببها. وفي لحظة ضعف إنساني قاتل، تملكتها الرغبة في الاطمئنان عليها. ذهبت إلى كابينة هاتف عمومي (سنترال شعبى) في زاوية مهجورة بالإسكندرية، ووضعت كمامة على وجهها، واتصلت برقم جارة الحاجة فاطمة لتسألها عن صحتها بصوت مستعار ومستعار النبرة.
لم تكن المكالمة تتعدى الدقيقة الواحدة. اطمأنت وأغلقت الخط وهي تبكي. ظنت أن الأمر مر بسلام... لكنها لم تكن تعلم أن طارق كان يضع خط هاتف جارة الحاجة فاطمة، بل وكل من تعامل مع نادين ولو لثانية، تحت مراقبة تقنية خاصة دفع ثمنها لمهندس اتصالات مرتشي.
التقاط الإشارة
في ذات اللحظة، رن جرس الإنذار في برنامج التتبع على حاسوب طارق الخاص.
ظهرت البيانات على الشاشة:
المكالمة صادرة من: الإسكندرية - منطقة بحري / الأنفوشي.
التوقيت: الرابعة عصرًا.
المدة: 48 ثانية.
انتفض طارق من مقعده، وتوسعت حدقتا عينيه بجنون. لم يحتج إلى سماع التسجيل،
"الأنفوشي!.. الإسكندرية. طبعًا.. حيث البحر الذي ادعيتِ أنكِ غرقتِ فيه! تباً لذكائكِ يا نادين، لقد عدتِ إلى حضن البحر الذي استغفلتني به!"
أمسك طارق بسترة جلدية سوداء، ووضع مسدسه الشخصي "غير الميري" (بدون رقم رسمي) في جيبه، ولم يبلغ أحداً من رجاله في المديرية. كانت هذه معركته الخاصة، معركة تصفية حسابات شخصية لن يشاركه فيها أحد.
استقل سيارته وانطلق بسرعة جنونية نحو طريق مصر الإسكندرية الصحراوي. كان الليل قد أسدل ستائره مجددًا، شبيهًا تمامًا بتلك الليلة التي هربت فيها نادين.
وفي الإسكندرية، كانت نادين تغلق باب دكانها الصغير، وتشعر فجأة بقشعريرة باردة تجتاح جسدها رغم دفء جو الغرفة. نظرت إلى الشارع المظلم من شق الباب الخشبي، وشعرت بأن الهواء قد أصبح ثقيلاً، كأن وحشاً كاسراً يزفر أنفاسه الغاضبة خارج زقاقها مباشرة...
هل ستشعر نادين بالخطر وتلوذ بالفرار في اللحظات الأخيرة؟ وكيف ستكون المواجهة وجهاً لوجه بين الضحية وجلادها في أزقة الإسكندرية المظلمة؟ هذا ما سنعرفه في الفصل القادم.
بقلم ملكه الروايات