الفصل الثامن والاخير امراه مجهوله
الفصل الثامن والاخير
امراه مجهوله
ساد صمتٌ جنائزي داخل صالة حلقة السمك، لم يكن يقطعه سوى صوت قطرات الدم التي تتمازج مع مياه الأمطار المتسربة من السقف المعدني. كان طارق الشاطر—الرجل الذي زلزل قلوب الكثيرين برعب سلطته—يرقد الآن كجثة هامدة، وعيناه متسعتان بذهول أبدي، تنظران إلى الفراغ.
حاولت نادين الوقوف، لكن جسدها كان يرتعش بشكل لا تفلح في السيطرة عليه. استندت إلى الطاولة الرخامية، ونظرت إلى يديها الملطختين بالدماء. لم تشعر بالندم، ولا بالخوف الذي اعتادت عليه؛ بل شعرت بنوع من الخواء البارد. لقد قتلت جلادها، وحطمت الأنشوطة التي خنقت حياتها لسنوات.
لكن غريزة البقاء التي قادتها طوال هذه الشهور لم تنم بعد. نظرت إلى جثة طارق، وأدركت أن اختفاء ضابط بوزنه سيقلب الأجهزة الأمنية رأساً على عقب، وإن عُثر على جثته هنا، فستكون "الست صابرين" هي المشتبه بها الأولى.
ببرود غير متوقع نبع من رحم التجربة القاسية، بدأت نادين في التحرك:
التقطت الوشاح الذي استخدمته كخدعة، والمقص الحديدي والرافعة.
انحنت فوق طارق، وبأصابع ترتجف سحبت من جيبه مفاتيح سيارته، وهاتفه الشخصي، ومحفظته التي تحتوي على مبالغ مالية ضخمة وبطاقاته الرسمية.
نادين لم تكن لترتكب هفوة ترك الجثة في حلقة السمك ليجدها الصيادون مع شروق الشمس.
بعد أن جمعت نادين متعلقات طارق، التفتت إلى جثته الهامدة.
في زاوية حلقة السمك المهجورة، لمحت نادين صناديق شحن الأسماك الكبيرة المصنوعة من الفايبرجلاس الثقيل، والمبطنة بطبقات عازلة، والتي تُستخدم لنقل أطنان الأسماك بسيارات النقل الكبيرة. كانت هناك أقفال حديدية وسلاسل ملقاة بجانبها.
بجهد جهيد، وجسد يقطر عرقاً ودماً، سحلت نادين جثة طارق الضخمة وألقتها داخل أحد تلك الصناديق العملاقة. وضعت معه الرافعة الحديدية الصدئة ليزيد وزنه، ثم أغلقته بإحكام، ولفّت حوله السلاسل الحديدية وقفلتها.
المقبرة المائية
باستخدام عربة الجر اليدوية الخاصة بنقل الصناديق، دفعت الصندوق الثقيل خارج الحلقة مستغلة خلو الشوارع تماماً من المارة بسبب النوة العنيفة. قادته إلى الرصيف البحري الممتد مباشرة خلف الحلقة، حيث ترسو قوارب الصيد الكبيرة، وحيث يتجاوز عمق البحر هناك عشرات الأمتار.
بكل ما أوتيت من عزم، ودفعة واحدة مسنودة بآلام السنين، دحرجت الصندوق من فوق الرصيف...
"بُوممم!"
سقط الصندوق الحديدي المغلق في جوف البحر الهائج. ثوانٍ معدودة، وابتلعته المياه المظلمة، ليستقر في القاع الطيني للبحر بين الصخور وعظام الأسماك، في مكان لا تصل إليه أشعة الشمس ولا تمسحه قوارب الإنقاذ.
لقد طبقت نادين عليه ذات اللعبة التي لعبتها معه في البداية؛ تركت ملابسها على ضفة النهر وبحث
أخذت مسدسه غير المرئ مشت لعدة شوارع حتى وصلت إلى السيارة التي ركنها طارق في مكان منزوٍ. فتحتها وصعدت إلى مقعد القيادة.
أدارت المحرك، وانطلقت بالسيارة نحو أطراف المدينة، وتحديدًا نحو منطقة المنحدرات الصخرية الممتدة على طريق المكس، حيث يلتهم البحر كل ما يُلقى فيه دون رجعة.
الوداع الأخير للماضي
وقفت السيارة على حافة جرف صخري مظلم يطل على البحر الهائج. نزلت نادين، وأمسكت بهاتف طارق ومحفظته وسلاحه، ووضعتهم جميعًا في حقيبة بلاستيكية ثقيلة مع ملابسها الملطخة بالدماء والمقص الحديدي.
ربطت الحقيبة بحجر كبير وجدته على الأرض، وبكل ما بقي في جسدها من قوة، قذفت بها إلى أعماق البحر. استمعت إلى صوت ارتطامها بالماء، وشعرت أن جزءاً من روحها المعذبة قد سقط معها.
أما سيارة طارق، فقد قادتها إلى حي عشوائي بعيد ومزدحم، وتركتها هناك مفتوحة الأبواب والمفاتيح بها، لتكون صيدًا سهلاً للصوص السيارات والمسجلين خطر، وهو ما سيشتت أي تحقيق جنائي قادم لأشهر طويلة.
نهاية نادين.. وولادتها من جديد
عندما بزغت خيوط الفجر الأولى، كانت "الست صابرين" قد عادت إلى دكانها الصغير في الأنفوشي. نظفت أرضية الدكان بعناية مستخدمة الكلور والمطهرات، وأعادت ترتيب
جلسَت أمام مرآتها المكسورة، ونظرت إلى وجهها. الجرح الصغير على وجنتها جراء شظية الرصاصة كان ينزف خيطاً رفيعاً من الدم، لكن عينيها كانتا تشعان بسلام غريب.
بعد أسابيع، ضجت وسائل الإعلام بخبر اختفاء العقيد طارق الشاطر في ظروف غامضة، وانتشرت شائعات كثيرة؛ بعضها قال إنه هرب خارج البلاد بسبب قضايا فساد، وبعضها قال إن عصابات تهريب صفت حساباتها معه، ولم يربط أحد بين اختفائه وبين زوجته التي "انتحرت غرقاً" قبل أشهر في القاهرة. تفرق رجاله، وأُغلق الملف باعتباره لغزاً لم يُحل.
مرت سنة كاملة...
على شاطئ البحر في الإسكندرية، كانت هناك سيدة ترتدي ملابس بسيطة وراقية في آن واحد، تقف وتتأمل الغروب. لم تعد صابرين، ولم تعد نادين. لقد استخرجت أوراقاً رسمية جديدة تماماً بفضل الأموال التي كانت بحوزة طارق، وافتتحت مشغلاً صغيراً لتصميم الأزياء، وباتت امرأة مستقلة، ناجحة، يحترمها الجميع.
أخذت نفساً عميقاً من هواء البحر اليودي، وابتسمت للكاميرا وهي تلتقط صورة لنفسها مع غروب الشمس. كانت تلك الابتسامة حقيقية، خالية من الزيف والخوف.
لقد دفعت ثمن حريتها غالياً، من دمها وحياتها وجنينها، لكنها في النهاية... انتصرت على الذئب، وعادت لتكون "ملكة حكايتها" الخاصة، حكاية امرأة رفضت أن تموت في الظلام، لتصنع لنفسها فجراً جديداً.
تمت القصه بالانتصار والحرية.
بقلم ملكه