كنت بلم هدومي
كنت بلم هدومي
كنت بلم هدومي في الشنطة وإيدي بتترعش، دموعي كانت بتنزل على السوستة وأنا بحاول أقفلها بالعافية. مكنتش قادرة أستوعب إن بعد خمس سنين جواز، دي هتكون النهاية.
حماتي (الحاجة إنصاف) كانت واقفة ساندة على باب الأوضة، بتبصلّي بنظرة كلها قسوة وشماتة، وفي إيدها التانية ماسكة علبة قطيفة حمرا.. علبة دهبي اللي أمي كانت جيباهالي.
"هتمشي يعني هتمشي بشنطة هدومك دي بس.. وأحمد ابني مش هيلحق يزعل عليكي، بكرة أجوّزه ست احسن منك مليون مره." قالتها ببرود وهي بتفتح العلبة وتتفرج على الغوايش.
رديت عليها وصوتي مخنوق من البكا: "الدهب ده بتاعي، وتعب شقايا قبل ما أتجوز ابنك.. اتقي الله يا طنط."
ضحكت بصوت عالي مستفز وقربت مني خطوتين: "اتقي الله؟ ده أنا هعلمك الأدب اللي أهلك معرفوش يعلموهولك.. إنتي فاكرة إن ابني هيصدقك إنتي ويكدبني أنا؟ أنا هقوله إنك سرقتي فلوسه قبل ما تمشي."
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. مكنتش مصدقة كمية القسوة والافتراء دي. صرخت فيها: "إنتي إيه؟ مفيش في قلبك رحمة؟"
ومع صرختي دي، مدت إيدها وشدت مني الشنطة ورامتها على الأرض، الهدوم كلها اتنطورت في الأوضة، وقبل ما أنطق بحرف، زقتني بكل قوتها لحد ما وقعت على الأرض، والعلبة القطيفة وقعت
اتنطور حواليا.
قالتلي وهي بتجز على سنانها: "هتخرجي من البيت ده مكسورة ومفضوحة."
بس اللي هي مكنتش تعرفه، إن ابنها أحمد اللي المفروض إنه مسافر تبع الشغل ومش هيرجع غير بعد أسبوع، كان واقف وراها في الطرقة.. وسمع وشاف كل حاجة، ومفاتيحه وقعت من إيده على الأرض بصوت رن في الشقة كلها.
لفت إنصاف وشها مخضوضة ومبرقة.. ورفعت أنا عيني المليانة دموع عشان أشوف صدمة عمري في عيون أحمد.
#الكاتبة_نور_محمد
الصمت اللي نزل على المكان كان أتقل من جبل. صوت رنة المفاتيح على بلاط الطرقة فضل يتردد في وداني كأنه إنذار بحاجة كبيرة هتحصل. أحمد كان واقف متسمر مكانة، ملامح وشه كانت خليط مرعب بين الصدمة، الغضب، وعدم الاستيعاب. عيونه كانت بتتنقل بيني وأنا واقعة على الأرض وسط هدومي والدهب المتنطور، وبين أمه اللي ملامحها اتغيرت في ثانية من القسوة والجبروت لعلامات الرعب والارتباك.
حماتي (الحاجة إنصاف) كانت سريعة البديهة زي ما عودتني، في كسر من الثانية، حاولت تقلب الترابيزة. جريت على أحمد وهي بتتصنع البكا وبتمسك في دراعه:
"أحمد! حبيب قلب أمك، جيت من السفر امتى؟ أحمد، الحقني يا بني، مراتك كانت بتسرق فلوسي ولما كشفتها زقتني وكانت هتموتني وتجري!"
كنت على الأرض،
الكلمات وقفت في زوري، بصيت لأحمد وعيوني مليانة دموع ورجاء.. رجاء إنه ميكونش أعمى للدرجة دي. دقات قلبي كانت سريعة لدرجة حسيت إنها هتكسر ضلوعي. هل هيصدقها زي كل مرة؟ هل نهاية صبري هتكون الفضيحة والظلم؟
أحمد مبصلهاش. عيونه كانت مركزة عليا أنا. بهدوء مرعب، فك إيد أمه من على دراعه، ومشي بخطوات بطيئة ناحيتي. وطى على الأرض، وبدأ يلم الغوايش والدهب اللي وقع، حتة حتة، ورجع حطهم في العلبة القطيفة بهدوء.
حماتي صوتها بدأ يتهز، الخوف بدأ يتسرب لنبرتها: "إنت بتعمل إيه يا أحمد؟ بقولك كانت بتسرقني! إنت مش مصدق أمك؟"
أحمد قفل العلبة، وحطها في إيدي، وسندني براحة لحد ما وقفت على رجلي. بص في عيني نظرة كلها أسف، حسيت فيها باعتذار عن كل لحظة وجع عشتها في البيت ده. وبعدها، لف وشه لأمه، وصوته كان واطي بس قاطع زي السيف:
"أنا مكنتش مسافر يا أمي.. قلبي كان مقبوض، حسيت إن في حاجة غلط فرجعت من نص الطريق. وسمعت كل حاجة.. كل حرف، من أول ما قولتيلي بكرة أجوزك سيدات سيدك، لحد ما زقتيها ورميتي هدومها."
حماتي وشها جاب ألوان، حاولت تتكلم وتبرر: "يا بني دي.. دي هي اللي استفزتني، دي بتتبلى عليا!"
"كفاية يا أمي!" صوته علي لأول مرة، بس رجع سيطر على غضبه بسرعة،
كفاية ظلم. أنا طول عمري بحاول أرضيكي وأقول الجنة تحت أقدام الأمهات، بس عمري ما تخيلت إن الطريق لرضاكي يكون على حساب كرامة مراتي وظلمها. أنا لو سكت على اللي حصل النهاردة، مبقاش راجل، ومستاهلش أكون مسؤول عن بيت."
سحب شنطتي من على الأرض، وبصلي وقال: "لمي بقيت حاجتك.. إحنا مش هنبات هنا النهاردة."
حماتي صرخت ولطمت على صدرها: "هتطرد أمك يا أحمد؟ هتسيب بيتك عشان حتة عيلة زي دي؟"
رد عليها وهو واقف عند الباب، في لحظة خلتني أشوف فيه الراجل اللي حبيته بجد: "لا يا أمي، ده بيتك وإنتي ست الكل ومقامك محفوظ، بس أنا كمان ليا بيت ولازم أحميه. بري بيكي واجب عليا لآخر يوم في عمري، هصرف عليكي وهزورك وهشيلك فوق راسي.. بس مراتي كرامتها من كرامتي، ومش هسمح لأي مخلوق يهينها تاني، حتى لو المخلوق ده هو أكتر إنسانة بحبها في الدنيا. البعد أحياناً بيكون هو الحل الوحيد عشان القلوب متقساش أكتر من كده."
فتح باب الشقة، ومسك إيدي، وخرجنا.
المرة دي، الباب لما اتقفل، مكنش بيقفل على حكايتي في البيت ده، ده كان بيفتح باب جديد لحياة أخيراً فيها عدل واحترام. حياة اتعلمت فيها إن السكوت على الظلم مش دايماً بطولة، وإن الراجل الحقيقي هو اللي ميزانه مابيميلش، لا بيظلم
تمت