قفص بنت المنشاوي
كانت بتتهز من أثر سحب الكرتونة، بس مفيش بني آدم اتحرك.
نفسي ضاق. كفي عرق. شفت فوزية وهي بترفع صورة السونار فوق القفص، شفت خيال بنتي الصغير في إيدها، وحسيت بحاجة جوايا بردت تماماً.. مكنتش غضب، كانت برود.
كان نفسي أهجم على باب القفص وأرزعه. كان نفسي أصرخ لدرجة تخلي كل بؤ ضحك يفتكر إن بنتي مش نكتة. بس فضلت مكاني، إيد على بطني وإيد ضاغطة على فستاني لحد ما صوابعي ابيضت.
وفجأة، صوت شق صمت الأوضة وزلزل المكان
نزلي اللي في إيدك ده فوراً.
ضحكة فوزية فضلت على وشها ثانية زيادة عن اللزوم من الصدمة.
وبعدين اختفت.
ولما
الشخص اللي كان واقف على الباب دخل الأوضة، فوزية فهمت أخيراً إنها تريقت على بنتي قدام الشخص الوحيد اللي كانت فاكرة إنه عمره ما هيقف ضدها...
كان الشخص ده هو أستاذ جلال، حمايا.
الراجل اللي كان بقاله تلاتين سنة مالوش صوت في البيت، اللي كان بيمشي
جلال؟ إنت بتقول إيه؟ أنا بس بهزر مع...
جلال قرب منها وسحب صورة السونار من إيدها بمنتهى الهدوء، بس عينه كانت بتقدح نار. بص للقفص الحديد اللي في نص الصالة، وبعدين بص للستات اللي كانوا بيضحكوا من شوية.. الأوضة بقت هس، لدرجة إن لو دبوس وقع كان هيسمع.
بتهزري؟ جلال سألها بصوت واطي ومخيف. بتهزري بأنك تشبهي حفيدتي بالكلاب؟ بتهزري بأنك تحطي كرامة مرات ابنك تحت رجلك قدام الغريب والقريب؟
فوزية حاولت تستعيد قوتها يا جلال دي ليلى حساسة زيادة، وإنت عارف إن...
أنا عارف إني سكت
كتير يا فوزية، جلال قاطعها وهو بيشاور على الباب. عارف إني سبتك تفرضي رأيك في كل صغيرة وكبيرة لحد ما افتكرتي إن الناس دي عبيد عندك. بس لحد حفيدتي.. ووقفي.
في اللحظة دي، ياسين دخل من الباب. كان جاي بدري عشان يفاجئني، بس اتفاجئ بالمنظر. شاف القفص، وشاف أبوه واقف وش لوش مع أمه، وشافني وأنا واقفة ببطني في نص الأوضة بعيط من غير صوت.
ياسين بص للقفص، وبعدين بص لأمه بذهول إيه ده يا ماما؟
فوزية بدأت تترعش يا ياسين، دي كانت فقرة ضحك في الحفلة، رنا هي اللي...
رنا صاحبتي قطعت كلامها أنا ماليش دعوة يا طنط، إنتي اللي جرتي الكرتونة ودخلتيها ومنعتينا نفتحها قبل الفقرة دي.
جلال بص لياسين وقال له بلهجة أمر خد مراتك واطلعوا فوق يا ياسين. والقفص ده يرجع المحل اللي جه منه فوراً، والفلوس اللي دفعتيها فيه يا فوزية، هتتبرعي بقيمتها لدار أيتام، اعتذاراً عن القرف اللي عملتيه النهاردة.
فوزية وشها بقى أحمر من الكسوف، خصوصاً قدام صاحباتها الهوانم اللي كانوا لسه
بيضحوا معاها.
ياسين قرب مني، حضن كتفي بقوة وباس راسي قدام الكل
بص لأمه وقال لها بجمود ماما، الحفلة خلصت. والبيت ده مش هتدخليه تاني غير لما ليلى هي اللي تأذن لك، ولو ده محصلش، يبقى هتشوفي حفيدتك في الصور وبس.
فوزية قعدت على الكرسي وهي مش مصدقة إن رجالتها وقفوا ضدها في يوم واحد.
جلال قرب مني، طبطب على إيدي وحط صورة السونار في كفي حقك عليا يا بنتي. البنت دي هتيجي الدنيا وهتتربى في وسط ناس بيحترموها، وأولهم جدها.
الناس بدأت تنسحب بهدوء وخجل، ورنا بدأت تلم الكراسي والزينة. ياسين خدني وطلعنا الجنينة نشم هوا.
لأول مرة من شهور، حسيت إني قادرة أتنفس بجد. بصيت لبطني وابتسمت.. بنتي عرفت قيمتها قبل ما تيجي الدنيا، وعرفت إن فيه ضهر حقيقي هيحميها، مش بس من الغرب، لكن من القريب قبل الغريب.
الهدوء رجع للمكان، بس المرة دي مكنش هدوء
خوف.
تمت.