وحرك عينيه في كل اتجاه، وقال بصوت مرتبك: "يا ابني... كفاية أسئلة. الأسئلة دي بتوجع القلب، وبتفتح أبواب إحنا مش قدها." قلبي دق جامدة. قربت منه أكتر وقلت: "أبواب إيه يا عمي؟" اتلخبط، ومسح عرقه بطرف جلابيته، وقال: "قصدي يعني... عشان ما نزعلش نفسنا. يلا كل لقمتك." لكنه ما كانش عارف إن الجملة دي بالذات أكدتلي كل شكوكي. لأنه، واحد من أعمامي أعترف من غير ما يقصد إن في أبواب مقفولة، وأسرار مدفونة، وإن الحقيقة أخطر بكتير مما كنت متخيل.
وفي اللحظة دي تأكدت إن عمي بركات عارف الحقيقة. لكنه كان خايف، خايف لدرجة إن مجرد الكلام عن الماضي كان كفيل إنه يفقد اتزانه. قولت فى نفسى. لو أعمامي مش هيقولوا الحقيقة بإرادتهم، فأنا هطلعها منهم غصب عنهم. قومت من على السفرة فجأة. عمي بركات بصلي باستغراب وقال: "مالك يا بشمهندس؟ كمل أكلك." وقلت وأنا بحاول أبان طبيعي: "لا، شبعت الحمد لله. أنا بس عاوز ألف شوية في البلد... وحشتني." ابتسم عمي بركات وقال: "هو إنت لسه فاكر البلد؟" قلت: "أنسى إيه بس يا عمي؟ دي
البلدى اللي اتولدت فيها." قال: "أكيد ما نسيتش." خرجت من بيت وأنا بحاول أرتب أفكاري. كل خطوة في شوارع القرية كانت بتفكرني بطفولتي؛ المكان اللي كنا بنلعب فيه، الذكريات كانت جميلة... وأنا ماشي، سمعت صوت بنت بتصرخ. الصوت كان مليان خوف. جريت ناحية الصوت، ولقيت شاب ضخم ماسك بنت من دراعها وبيضربها بقسوة. قبل ما أوصل، واحد من أهل البلد شدني وقال: "سيبك يا بشمهندس... دي ناس سمعتهم وحشة." زقيته بعيد" وقربت من الشاب وشدّيته بعيد عنها. بصلي من فوق لتحت وقال: "لو لمستني تاني هتندم." ولسه بيرفع إيده عشان يضربها مرة تانية، سبقتُه ودفعتُه بقوة وقعته على الأرض.
فجأة سمعت صوت عمي حمدان من وسط الناس: "كريم" بصيتله، وقلت وأنا منفعل: "يا عمي، الراجل ده كان بيضرب البنت دى والناس كلها واقفة بتتفرج." عمي حمدان بص للشاب وقال: "إنت يا إبراهيم مش هتبطل القرف اللي بتعمله ده؟ حرام عليك، دي ست غلبانة." في اللحظة دي، البنت رفعت عينيها وبصتلي. أول ما عيني جت في عينها، حسيت بإحساس غريب جدًا... إحساس ما حسيتوش قبل
كده، كان فيهم شيء جذبني ليها بشكل غير مفهوم. عمي قرب مني وقال: "سيبه يا كريم، ديل الكلب عمره ما يتعدل." سبت إبراهيم، قام وهو بيبصلي بكره واضح وقال: "إنت فاكر اللي عملته ده هيعدي بالساهل؟" قبل ما أرد، لقيت عمي حمدان مد إيده جوه جلابيته وطلع طبنجة، وقال: "إنت عارف ده ابن أخويا جمال." أول ما سمع اسم أبويا، لون وش إبراهيم اتغير فجأة، وكأنه شاف شبح. قرب من مراته، شدها من إيديها، ومشي. ساعتها عملت نفسي ما أخدتش بالي من رد فعله، لكن جوايا بدأت أتأكد إن اسم أبويا بيرعب ناس في القرية. وأنا ماشي مع عمي حمدان، قاللي:
يا ولدي، أنا عارف إنك اتولدت هنا، بس إنت اتربيت في القاهرة. الحياة هنا غير." قلت: "فاهم يا عمي... وهخلي بالي بعد كده." رجعت البيت وقعدت شوية مع ولاد عمي، والوقت عدى بسرعة لحد ما أذن العشاء. قمت وقلت: "أنا خارج أصلي." لكن الحقيقة إني ماكنتش رايح الجامع... أنا كنت رايح المقابر، عشان أنفذ وصية العجوزة وأعرف السر المدفون تحت قبر أبويا. خرجت من البيت، لكن وأنا في الطريق سمعت صوت بكاء
جاي من ناحية الزراعات. قربت، ولقيت نفس البنت اللي أنقذتها الصبح. كانت قاعدة على الأرض، ضامة نفسها وبتعيط. قربت منها وقلت: "متخافيش... هو جوزك ضربك؟" هزت راسها وهي بتبكي. مسكت إيديها، ونفس الإحساس الغريب رجعلي. قلتلها: "خلاص، إنت مش هترجعي له الليلة دي. هتيجي معايا بيت العيلة، وهتقعدي في أوضتي، وتقفلي على نفسك لحد الصبح." رفعت عينيها وقالت بصوت واطي جدًا: "لا... بيتكم فيه عفريت." بصيتلها باستغراب وقلت: "عفريت إيه؟" ارتبكت، وبصت حواليها بخوف، وقالت: "أنا لازم أمشي." مسكت إيديها وقلت: "مش هتمشي. لو رجعتي، إبراهيم مش هيسيبك." أخدتها معايا، ولحسن الحظ ما كانش فيه حد في المندرة. طلعتها أوضتي بسرعة، وفتحت الشنطة وأخرجت هدوم أقدر أنام بيها في أي مكان تاني. قبل ما أخرج قلتلها: "اقفلي على نفسك كويس، وما تفتحيش الباب لأي حد." هزت راسها وهي لسه مرعوبة. كنت لسه خارج من الأوضة، ولسه بإيدي مقبض الباب، سمعت صرخة هزت البيت كله. فتحت الباب بسرعة، وتجمدت مكانى...
انتظروا ان شاء الله الجزء الخامس