رواية فتنه زكريا الفصل الثاني بقلم نور محمد حصريه وجديده
وقفل الشيش للاخر، ورخى الستارة. الأوضة رجعت ضلمة ودافية. سمع صوت تنهيدة راحة طلعت منها، فعرف إنه بدأ يفهم لغتها اللي من غير كلام.
دخل المطبخ، جهز فطار بسيط.. جبنة بيضا وعيش سخن وشاي بلبن. حط الصينية على الأرض بعيد عنها شوية، وقعد ياكل هو الأول عشان يوريها إن الأكل أمان.
عينيها كانت بتراقبه بتركيز شديد، حركة إيده، طريقة مضغه للأكل. وبعد دقايق، زحفت ببطء لحد الصينية، ومدت إيدها المرتعشة أخدت حتة عيش، وبدأت تاكل بلهفة بس المرة دي مأكلتش زي امبارح، حاولت تقلد حركة إيده وهي بترفع الأكل لبقها.
زكريا ابتسم بدموع.. هي ذكية، وبتتعلم بسرعة.
بعد الفطار، كان التحدي الأكبر. فتنة كانت ريحتها كلها طين ومطر، وشعرها الطويل الأسود عبارة عن كتلة من العقد والطين الناشف. كان لازم تستحمى.
زكريا دخل الحمام الصغير بتاعه، ملى طشت بلاستيك كبير بمية دافية، وحط فيه شوية شاور جيل ريحته ياسمين، المية عملت رغوة بيضا كتيرة. جاب فوطة نضيفة كبيرة، وعباية قطن واسعة، وهدوم داخلية جديدة كان شاريها لأخته قبل ما تتوفى ومستعملتهاش.
راح الصالة، وشاورلها تيجي وراه. وقفت مترددة، بس ريحة الياسمين اللي طالعة من الحمام شدتها.
مشيت وراه بخطوات بطيئة، أول ما شافت المية والرغوة، عينيها وسعت بدهشة، مدت صباعها لمست الرغوة البيضا كأنها سحر!
زكريا وقف على باب الحمام، وبدأ يشرحلها بلغة الإشارة.
بصي يا فتنة.. مية دافية.. حلوة.
مد إيده في المية وغسل وشه قدامها، وبعدين مسك ليفة نضيفة، وعمل حركة غسيل على دراعه من فوق الهدوم.
تغسلي هنا.. وهنا.. وبعدين تلبسي دول.
شاور على الهدوم النضيفة اللي حطها على الكرسي. خرج من الحمام وقفل الباب وراه نصه، وسابها تتعامل براحتها.
وقف بره الحمام يقرأ قرآن بصوت مسموع عشان يفضل محسسها بالأمان وإنها مش لوحدها. من جوه، كان سامع صوت المية بتطرطش، وصوت ضحكة خافتة جداً، طفولية وبريئة، كأنها بتلعب في الرغوة لأول مرة في حياتها. الصوت ده خلى قلب زكريا يرفرف من الفرحة.. دي أول علامة للحياة تظهر عليها.
بعد نص ساعة، الباب اتفتح ببطء.
خرجت فتنة. زكريا غض بصره في الأول، بس لما اتأكد إنها لابسة العباية القطن كويس، رفع عينيه.. وتسمر مكانه.
المية نضفت الطين، وكشفت عن آية من آيات الله في الجمال. بشرتها اللي كانت متغطية بالتراب طلعت بيضا بياض شاهق، ملامحها الدقيقة، رموشها الطويلة، حمار خدودها من المية السخنة.. كانت حرفياً فتنة.
لكن المشكلة كانت في شعرها. المية خلت الطين ينزل، بس العقد والتشابك زادوا جداً، وكان بينقط مية مغرقة العباية.
نعيماً يا فتنة.. بس كده هتستبردي تاني.
جاب كرسي خشب وحطه في نص الصالة، وشاورلها تقعد. قعدت باستسلام غريب المرة دي، كأنها بدأت تثق فيه.
زكريا جاب مشط خشب، وفوطة صغيرة. وقف وراها، حط الفوطة على كتافها، وبدأ يسرح شعرها.
كان بيسرح شعرها كأنه بيسلك خيوط روحها المتعقدة. إيده كانت خفيفة جداً، كل ما المشط يمسك في عقدة وتتأوه بصوت واطي، يوقف بسرعة، ويسمي الله، ويفك العقدة بصباعه بالراحة خالص.
بسم الله.. حقك عليا، بتوجع صح؟ معلش، استحملي شوية.
كان بيكلمها طول الوقت بصوت حنين كأنه بيكلم بنته الصغيره. اللمسة الحنينة اللي مفهاش
بدأت تغمض عينيها بسلام، وراسها مالت لورا وسندت على بطن زكريا من غير ما تقصد. زكريا اتنفس بصعوبة، بلع ريقه ورجع خطوة لورا بأدب، وكمل تسريح لحد ما شعرها الأسود الطويل بقى مفرود على ضهرها زي شلال الحرير.
بسم الله تبارك الله.. خلصنا.
قالها وهو بيمسح العرق من على جبينه.
قامت من على الكرسي، وبدأت تتمشى في الأوضة بخطوات أثبت من امبارح. وفجأة.. وقفت متصلبة قدام دولاب خشب قديم في الصالة، بابه نصه مراية.
فتنة شافت انعكاسها.
عينيها وسعت برعب، رجعت خطوة لورا، الانعكاس رجع معاها. رفعت إيدها، الانعكاس رفع إيده.
بدأت تنهج بخوف، طلعت صوت خفيف، وكشرت كأنها بتهاجم حد غريب واقف قدامها ! خبطت المراية بإيدها بقوة، ولما لقت البنت اللي جوه بتخبطها هي كمان، صرخت صرخة فزع ووقعت على الأرض بتزحف لورا.
هي متعرفش شكلها! من وهي عندها ٥ سنين مشافتش مراية. هي فاكرة إنها كائن تاني، ومفزوعة من البنت اللي بتبصلها دي
زكريا جري عليها، نزل على ركبه جنبها.
أهدي! أهدي يا فتنة ده أنتي.. دي صورتك!
لكنها كانت في حالة هيستريا، بتشاور على المراية وبتحاول تستخبى في حضن زكريا! لأول مرة هي اللي تلجأله وتستخبى فيه من الخوف.
زكريا مقدرش يصدها، مسك كتافها بالراحة، وقومها معاه ووقفوا هما الاتنين قدام المراية.
بصي يا فتنة.. بصي هنا.
شاور على نفسه في المراية.. وبعدين حط إيده على صدره.
ده أنا.. زكريا.
وبعدين شاور عليها في المراية،
ودي إنتي.. دي فتنة.. شايفة؟ مفيش حد غريب، دي إنتي.
عينيها كانت بتتنقل بينه وبين انعكاسه، وبين إيدها اللي على خدها وانعكاس إيدها في المراية. ببطء شديد، قربت من المراية.. مدت صوابعها ولمست إزاز المراية البارد.
لمست ملامحها.. عينيها، مناخيرها، شفايفها. كانت بتكتشف نفسها لأول مرة. دموع سخنة بدأت تتجمع في عينيها وتنزل على خدها من غير ما تفهم إيه المايه دي وليه بتنزل.
زكريا كان واقف جنبها، بيبصلها في المراية وعينيه هو كمان بتدمع.
في اللحظة دي، عينيهم اتقابلت في المراية.. نظرة طويلة جداً، نظرة بنت لقت روحها الضايعة، وشاب لقى رسالته في الدنيا.
بصتله في المراية، ولأول مرة من ساعة ما لقاها.. شفايفها اتحركت بصعوبة، وطلعت صوت مبحوح، ضعيف، كأنه طالع من بير عميق
ز.. ز.. زك..ريا.
الكلمة نزلت على قلب زكريا زي المطر على الأرض العطشانة. سجد على الأرض في مكانه شكر لله، وهو بيبكي من الفرحة.. النطق رجعلها، وأول كلمة نطقتها كانت اسمه. ووو
يتبع.. نور محمد
فتنة_زكريا
الحلقه_الثانيه
مساء الخير ايه رأيكم في الحلقه الثانيه من الروايه
عاوزه اقولكم بجد وانا بكتب الحلقه كنت بتخيل المشاهد دي قدامي كأنهم شخصيات حقيقيه وحاولت اطلع احساسي وشعورهم كمان زي ماتخيلتهم على شكل كلمات يارب اكون قدرت اوصل لكم مشاعرهم دي كمان زي ماتخيلتها واخير تفاعل كبير لسه احنا بنمهد علشان نعرف قصه فتنه ايه ومين السبب في حالتها دي ونشوف زكريا هيقدر يقف جنبها ويجيب حقها ازاي لو وصلت الحلقه دي 1200 لايك وكومنت
يتبع