لقيت سجاده
لقيت سجاده
أرملة فقيرة لقت سجادة غالية جدًا مرمية في الزبالة من واحد غني افتكرت إنها تبيعها وتجيب أكل لعيالها، لكن أول ما فردتها شافت حاجة خلت جسمها كله يترعش.
عيالها كانوا جعانين.
والراجل اللي نزل من العربية السودا الفخمة كان مستعجل بشكل غريب.
والموجود جوه السجادة ماكانش زبالة
كان سر حد بيحاول يدفنه للأبد.
العصر كان تقيل على مقلب الزبالة الكبير اللي على أطراف المدينة.
ريحة البلاستيك المحروق والعفن مالية المكان.
والذباب بيطير فوق كل حاجة كأن الدنيا كلها بتتحلل.
كاميليا كانت ماشية وسط الأكياس المقطوعة، بإيد ماسكة مناخيرها وبالإيد التانية بتدور على أي حاجة تنفع تتباع.
علب صفيح كرتون نضيف بلاستيك.
أي حاجة تجيب لقمة كان عندها 38 سنة أرملة وعندها طفلين.
ومن يوم ما جوزها ياسر مات في حادثة من 11 شهر، وهي بتحارب عشان تعيش.
يوم ياكلوا فول يوم رز ويوم تدّعي إنها شبعت عشان تسيب الأكل لولادها.
بنتها ليلى عندها 7 سنين وكانت ماشية وراها ماسكة عروسة مقطوعة الإيد.
وابنها آدم عنده 9 سنين وكان شايل شوال بلاستيك كأنه كنز.
قالت ليلى
يا ماما أنا جعانة.
الكلمة غرست في قلب كاميليا.
نزلت لمست شعر بنتها المبلول عرق وابتسمت ابتسامة الأمهات اللي ماعندهاش غير الأمل.
هنلاقي حاجة يا حبيبتي.
لكن جواها ماكنتش متأكدة.
وفجأة آدم بص ناحية المدخل وقال
يا ماما عربية فخمة داخلة.
رفعت رأسها.
عربية SUV سودا لمعة دخلت وسط الطين.
شيك أوي على المكان ده وقفت عند حتة بعيدة محدش بيروحها.
نزل منها راجل لابس قميص أبيض نضيف وساعة دهب.
كان باين عليه التوتر فتح الشنطة وطلع سجادة كبيرة ملفوفة شكلها غالي جدًا.
من النوع اللي بيتحط في قصور سحبها بالعافية ورماها جنب كومة ردم بعدين بص حواليه بسرعة.
وفي لحظة عينيه جت في عيني كاميليا هي وطت وشها فورًا.
مش
قال آدم
السجادة دي تساوي فلوس كتير.
وكاميليا فكرت نفس الشيء حتى لو متبهدلة ممكن تتباع.
يمكن تجيب أكل أسبوع كامل.
قالت
استنى هنا.
لكن آدم أصر يساعدها راحوا عند السجادة كانت تقيلة بشكل غريب تقيلة أكتر من الطبيعي.
ومش ريحتها زبالة كان فيها ريحة برفان غالي.
وريحة رطوبة وحاجة تانية ريحة معدن.
بلعت ريقها ولمست القماش كان ناعم وسميك ووزنه مش طبيعي.
قال آدم
فيها إيه؟
قالت
اسكت وساعدني.
سحبوها ورا لوح صاج قديم بعيد عن الناس ليلى جريت وراهم.
هنبيعها؟
أيوه بس الأول نشوف حالتها.
ركعت كاميليا على الأرض ولقت شريط أسود ملفوف حواليها.
شريط أمان مش حبل عادي وقتها قلبها بدأ يدق أسرع.
طلعت مطوة صغيرة كانت معاهم وقطعت الشريط.
لفة اتنين تلاتة والسجادة بدأت تفك كأنها كانت حابسة نفسها.
ليلى همست بخوف
يلا نمشي يا ماما.
وكان المفروض تسمع كلامها لكن الجوع ساعات بيكسب الخوف.
مسكت طرف السجادة وبدأت تفردها.
أول حاجة خرجت كانت شوية تراب بعدين ريحة مكتومة.
وبعدينوقع ظرف على الأرض ظرف أصفر قديم.
مقفول بلاصق شفاف كاميليا اتجمدت.
الظرف ماكانش فيه فلوس ولا أوراق عادية.
كان مكتوب عليه كلمة واحدة بخط اليد
كاميليااسمها.
آدم فتح بقه من الصدمة.
يا ماما ده اسمك!
إيديها بدأت تترعش رفعت الظرف.
لكن قبل ما تفتحه، بصت جوه السجادة لسه في حاجة.
حاجة تقيلة مستطيلة فردت السجادة أكتر طلع صندوق معدني صغير ملفوف بكيس أسود.
وفوقه صورة قديمة متلزقة بشريط لاصق نزعت الصورة.
وبمجرد ما فتحتهاالدنيا كلها سكتت.
في الصورة كان الراجل اللي نزل من العربية أصغر سنًا.
واقف بيضحك وجنبه راجل تاني.
ياسر جوزها الميت رجليها خانتها وقلبها وقف لحظة.
قلبت الصورة وكان مكتوب بخط ياسر
لو حصلي حاجة دوري على كاميليا. هي لسه ماتعرفش الحقيقة.
ليلى بدأت تعيط وآدم رجع خطوة لورا.
أما كاميليا فكانت بتبص للصندوق المعدني وكان عليه لوحة صغيرة محفور فيها اسم عمرها ما سمعته من جوزها
مجموعة ستيرلينج الأرشيف السري
وساعتها بس
فهمت إن جوزها يمكن ما ماتش في حادثة عادية.
وإن السجادة ما كانتش مرمية بالغلط وإن حد كان مستعد يرمي أسرار أخطر من الموت نفسه في مقلب زبالة
عشان ما توصلش ليها أبدًا.
مين عاوز التكمله؟لايك وصلو علي النبي وهرد عليكم
رفعت عينيها نحوي بانزعاج.
وقالت
شتريد هسه؟
كانت الجملة تؤلمني أكثر من كاحلي.
أبو علي، الذي كان لا يزال منحنياً يفحص قدمي، الټفت إليها كأنه لم يفهم ما سمع.
قال
أخوك مصاپ ما طلب منك تسوين له شاي.
شبكت مريم ذراعيها أمام صدرها.
لا تدخل يا أبو علي. أنت ما تعرف شنو يصير هنا.
ضحكت ضحكة قصيرة بلا روح.
لا يا مريم. هو يعرف. شاف الشي اللي أنتم ما حبيتوا تشوفوه.
أطفأ حيدر التلفاز أخيراً، لكن ليس لأنه اهتم.
أطفأه لأنه فهم أن هناك شاهداً.
قال وهو يعدل جلسته
شوف سامر، لا تكبر الموضوع. أنت وقعت. والإسعاف جاي بالطريق.
قلت
جاي لأن أبو علي اتصل بيهم.
نهض كرار بضيق.
أگدر أروح لغرفتي؟
غرفتي للضيوف.
بيتي.
إنترنتي.
سقفي.
نظرت إليه وشعرت بحزن غريب.
لم يكن الحزن عليه فقط، بل على الشيء الذي كان الكبار يعلمونه له.
أن يعيش الإنسان من تعب غيره، ويأكل من خيره، وينام تحت سقفه، ثم يتعامل
معه كأنه عبء حين يحتاج إلى يد تمتد له.
قلت
لا. ابقَ. هذا الكلام لازم تسمعه أنت هم.
خطت مريم خطوة نحوي.
لا تحچي ويا ابني بهالطريقة.
قلت بهدوء
إذن علّميه أنتِ لا يظل ينظر إلى هاتفه وخاله مرمي تحت المطر.
فتحت فمها لترد.
ثم أغلقته.
خارج البيت، كان المطر لا يزال يضرب عتبة الباب بقوة.
تسلل الماء من تحت الباب، وسحب معه قطعة صغيرة من قشر البيض، كأن البيت نفسه يلفظ العشاء
وضع أبو علي منشفة تحت كاحلي.
قال بصوت منخفض
سامر، ما أحب أتدخل بينك وبين أهلك، بس الورم مو طبيعي.
هززت رأسي.
كان الألم ينبض حتى صدغي.
كنت أشعر أن الحذاء يضغط على قدمي مثل فخ.
قلت
شيله.
نظر أبو علي إلى مريم.
عندكم مقص؟
لم تتحرك.
ولا حيدر تحرك.
شد أبو علي فكه، ثم ذهب بنفسه إلى المطبخ.
فتح الأدراج حتى وجد مقص المطبخ.
قص رباط الحذاء.
ثم بدأ يخلعه بحذر.
صړخت.
لم أستطع أن أمنع نفسي.
تأوهت مريم بضيق وقالت
يا الله
وهنا انتهى كل شيء.
لم ينتهِ بصړاخ.
ولا بكلمة قاسېة.
انتهى داخلي بهدوء، مثل باب يُغلق دون أن يرتطم، لكنه لا يُفتح مرة أخرى.
قلت
عندكم خمس دقائق.
قطّب حيدر حاجبيه.
خمس دقائق على شنو؟
قلت
حتى تفهمون أن هذا البيت ما عاد ملجأ لناكرين الجميل.
ضحكت مريم بتوتر.
يعني راح تطردنا لأننا ما حملناك مثل الملك؟
ظل أبو علي ساكناً.
أما أنا فرفعت عيني إلى أختي.
قلت
لا. راح أطلعكم لأنكم عشتوا هنا ثمانية أشهر بلا إيجار، واليوم لما شفتوني على الأرض، كان الحليب المسكوب أهم عندكم من رجلي المکسورة.
قال حيدر
مو مکسورة.
قلت
إذن امشِ أنت عليها.
لم يتكلم أحد.
أخرجت هاتفي مرة أخرى.
كانت يداي ترتجفان من الألم، لكنني استطعت أن أفتح تطبيق الملاحظات.
كانت هناك قائمة.
لم أكتبها تلك الليلة.
بدأت بكتابتها قبل ثلاثة أشهر، في فجر يوم رأيت فيه حيدر يستخدم بطاقتي ليطلب
طعاماً من مطعم، ثم يقول بعدها أگلك.
قرأت بصوت واضح
إيجار صفر. كهرباء ثمانية أشهر. ماء ثمانية أشهر. غاز ثمانية أشهر. إنترنت ثمانية أشهر. أكل أسبوعي. أدوية كرار لما مرض. تأمين سيارة حيدر، دفعتين. تصليح الشاشة اللي كسروها. غسالة جديدة لأنهم حملوها فوق طاقتها.
المجموع التقريبي أكثر من سبعة ملايين دينار عراقي، بين مصاريف البيت والفواتير والطعام
اصفرّ وجه مريم.
قالت
كنت تحسب علينا؟
قلت
نعم.
قالت
مريض.
قلت
لا يا أختي. المړض أن تنادي صاحب البيت خادم وهو مرمي على عتبة