لقيت سجاده
المحتويات
بيته.
تنفس حيدر بضيق.
شوف، أنا أفهم أنك مټألم، بس هذا البيت صار بيتنا هم.
قلت كلمة واحدة
لا.
خرجت الكلمة جافة.
ثم أكملت
هذا بيتي وأنتم ساكنون فيه. وهذه ليست نفس الشيء.
نظر كرار إلى أبيه.
ربما كانت أول مرة يسمع فيها الفرق.
تأخر الإسعاف عشرين
دقيقة.
في بغداد، حين يهطل المطر بقوة، تتحول الشوارع إلى برك طويلة، وتبدو إشارات المرور كأنها
تعبت
من الانتظار. تلك الليلة كان الحي كله يصدر صوت الماء وهو يجري قرب الأرصفة، وإطارات السيارات وهي تشق الوحل، وكلاب تنبح من خلف أبواب البيوت المبللة.
وصل المسعفون وهم مبتلون.
رفعوني على النقالة.
سأل أحدهم
منو يرافقه؟
خفضت مريم عينيها.
حك حيدر ذقنه.
قالت مريم
أنا لازم أبقى يم الولد.
كان كرار في الخامسة عشرة.
أخذ أبو علي محفظتي ومفاتيحي.
قال
أنا أروح وياه.
نظرت إلى أختي من فوق النقالة.
قلت
باچر الساعة تسعة تجي المحامية.
أطلقت مريم ضحكة مصطنعة.
محامية؟ سامر، أنت صرت مضحك.
قلت
وأنتِ صرتِ مُبلّغة.
حين أغلقوا باب الإسعاف، لمحت مريم واقفة تحت إطار بابي.
جافة.
دافئة.
مرتاحة.
أما أنا فكنت مبللاً، أرتجف، وكاحلي مكسور.
لكن للمرة الأولى منذ ثمانية أشهر، كنت أنا الذي أغادر بكرامة.
في الطوارئ أكدوا الكسر.
لم يكن التواءً.
كان كسراً.
ثبتوا ساقي، أعطوني مسكنات، وتركوني تحت المراقبة.
بقي أبو علي معي حتى الثالثة فجراً، جالساً على كرسي بلاستيكي، يشرب
قهوة من ماكينة المستشفى، ويرد على رسائل زوجته.
قلت له
آسف لأنني أدخلتك بهذا كله.
قال
أخي، شيء اسمه عائلة، وشيء اسمه استغلال لابس اسم العائلة.
نظرت إلى سقف المستشفى الأبيض.
قلت
أنا اللي خليتهم يدخلون.
قال
نعم. بس أنت ما خليتهم يدوسون عليك.
لم أرد.
لأن الحقيقة أنني فعلت.
قليلاً كل يوم.
عند الصباح، أعادني أبو علي إلى البيت.
قاد السيارة ببطء في شوارع ما زالت مبتلة، نمر قرب محال صغيرة تفتح أبوابها المعدنية، وباعة الشاي والكاهي يجهزون صباحهم، ورائحة الخبز الحار تخرج من الأفران كأن الحياة لم تتوقف
حين وصلنا، رأيت من السيارة أن حيدر وضع صناديق على عتبة البيت.
ليس ليغادر.
بل ليغلق
المدخل.
تمتم أبو علي
شوف الجمال ديكور طفيليات.
ضحكت رغم الألم.
دخلنا بصعوبة.
كنت أسير بالعكازات، والجبس يصل إلى منتصف ساقي، وڠضب هادئ يسندني أكثر من الألمنيوم.
كانت مريم في المطبخ.
تعد البيض.
بمقلاتي.
وببيض اشتريته أنا.
وعلى الغاز الذي أدفع ثمنه
أنا.
قالت دون أن تلتفت
زين رجعت. لازم نحچي مثل
الكبار.
قلت
ممتاز.
جلست إلى الطاولة.
ظهر حيدر بوجه نعسان.
وجاء كرار خلفه، شعره مبعثر، وسماعاته معلقة على رقبته.
في تلك اللحظة رن الجرس.
عبست مريم.
منو؟
قلت
الشخص الكبير.
فتح أبو علي الباب.
دخلت الأستاذة زينب، محاميتي.
كانت صديقة قديمة من أيام الجامعة، من أولئك الناس الذين لا يرفعون أصواتهم لأنهم لا يحتاجون إلى ذلك.
كانت تحمل ملفاً أسود، ونظارة طبية، وحذاءً مناسباً للمطر، ونظرة قادرة على ترتيب غرفة كاملة دون كلمة واحدة.
قالت
صباح الخير. أنا المحامية زينب العلي، أمثل الأستاذ سامر.
ضحك حيدر بسخرية.
لا والله؟
نظرت إليه زينب مرة واحدة.
فماټت الضحكة في وجهه.
جلست إلى جانبي وأخرجت الأوراق.
قالت
السيدة مريم، السيد حيدر. موكلي سمح لكم بالإقامة في هذا المنزل بشكل مجاني ومؤقت. لا يوجد عقد إيجار. لا تدفعون بدلاً. لا تغطون خدمات. ولا تملكون أي حق ملكية في العقار. من هذه اللحظة، يتم إلغاء إذن
الإقامة بشكل رسمي.
ضړبت مريم الطاولة.
أنا أخته!
لم ترمش زينب.
قالت
وهذا ليس سند ملكية.
خفض كرار عينيه.
أما حيدر فشبك ذراعيه.
ما تگدرون تطلعونا هيچ ببساطة. إلنا حقوق.
قالت زينب
طبعاً. لذلك نحن لا نرمي أغراضكم في الشارع. نحن نبلّغكم. لديكم ثلاثون يوماً لإخلاء المنزل طوعاً، وتوقيع اتفاق خروج، وتحمّل أي ضرر إضافي إن وُجد. إذا رفضتم، سيبدأ الإجراء القانوني المناسب. وبالمناسبة، ترك المصاپ دون مساعدة ليلة أمس موثق بشاهد وتقرير طبي.
نظرت إليّ مريم كأنها ترى شخصاً غريباً.
قالت
اشتكيت علينا؟
قلت
ليس
امتلأت عيناها بالدموع.
في الماضي، كانت تلك الدموع تكسرني.
ذلك اليوم، أتعبتني فقط.
همست
أنت ما كنت هيچ.
قلت
كنت. لكني كنت أشعر بالذنب عندما أدافع عن نفسي.
انحنى حيدر فوق الطاولة.
شوف سامر. بدوننا، هذا البيت راح ينهار عليك. منو يساعدك بهذا الجبس؟ منو يطبخ لك؟
ضحكت.
قلت
غريب. البارحة ما كنتوا خدم عندي.
عضّت مريم شفتيها.
كنا تعبانين.
قلت
وأنا أيضاً. منذ ثمانية أشهر.
دفعت زينب ورقة باتجاههم.
قالت
هذا جرد أولي. سيتم تصوير حالة كل
غرفة وتوثيقها. سامر
سيضع قفلاً على غرفته، وعلى المكتب، وعلى مخزن الطعام الخاص به. من اليوم أنتم تشترون طعامكم وموادكم الشخصية بأنفسكم. لا يوجد وصول إلى بطاقاته، أو حساباته، أو أوراقه، أو سيارته.
قال حيدر
هذا إهانة.
نظرت إليه.
قلت
لا. الإهانة أن أراك تأكل من خيري وأنا مرمي خارج البيت.
وصلته الكلمة.
نهض وخرج إلى الحوش.
بدأت مريم تبكي.
قالت
وين نروح؟
كان هذا السؤال هو السلسلة القديمة.
السؤال الذي جعلني أصمت طويلاً.
السؤال الذي كان يحوّل أي حد أضعه إلى قسۏة.
نظرت إليها.
رأيت أختي الصغيرة، بشعرها المرتب بعشوائية وركبتيها المخدوشتين.
رأيت الفتاة التي كانت تطلب مني أن أرافقها إلى الدكان لأنها تخاف الطريق.
رأيت المرأة التي توقفت عن رؤيتي كأخ، وبدأت تراني كسقف.
قلت
لا أعرف. لكن لن يكون هنا.
هزت رأسها.
أمي راح تعرف.
قلت
خليها تعرف.
قالت
راح تقول عنك أناني.
قلت
إذن أرسل لها الفواتير.
رن الهاتف بعد عشر دقائق.
أمي.
لم أرد.
رن مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
أخيراً، أرسلت رسالة صوتية.
سامر، أختك تقول إنك تطردها للشارع هي وابنها. أنا ما ربيتك هيچ. العائلة ما تنترك.
شغلت الرسالة بصوت مرتفع.
اعتدلت مريم في جلستها بأمل.
حين انتهت الرسالة، رددت برسالة صوتية.
قلت
أمي، البارحة وقعت على عتبة بيتي تحت المطر. انكسر كاحلي. مريم وحيدر وكرار شافوني وما ساعدوني. أبو علي هو الذي رفعني واتصل بالإسعاف. مريم قالت لي إحنا مو خدم عندك. من اليوم
أرسلتها.
لم يقل أحد شيئاً.
بعد عشر ثوانٍ، جاء اتصال إلى هاتف مريم.
لم تضعه على مكبر الصوت.
لكننا سمعنا صړاخ أمي من الطاولة.
شنو سويتي؟
ذهبت مريم إلى الغرفة وهي تبكي.
في ذلك المساء ركبت كاميرات عند المدخل، وفي الممر، وفي المطبخ.
ساعدني أبو علي.
غيّرنا أيضاً كلمة مرور الإنترنت، وفصلت مخزن الطعام، ووضعت ملصقات على صناديق بلاستيكية.
لم أفعل ذلك بسعادة.
فعلته بوضوح.
في تلك الليلة، ولأول
مرة، لم أعد عشاءً للجميع.
طلبت شوربة دجاج ساخنة لي ولأبي علي، الذي بقي ليتأكد أنني أستطيع التحرك دون أن أقع.
امتلأ المطبخ برائحة الليمون والدجاج والبهارات.
اقترب كرار من إطار الباب.
قال بصوت منخفض
أگدر آكل؟
رفعت نظري إليه.
لم أرد أن أعاقبه بالجوع.
ولا أردت أن أكافئ العادة.
قلت
نعم. لكن أولاً أريد منك أن تقول لي شيئاً.
ابتلع ريقه.
شنو؟
قلت
لماذا لم تساعدني البارحة؟
امتلأت عيناه بالدموع.
قال
بابا قال لا أتدخل. قال أكيد أنت تبالغ حتى تلفت الانتباه.
شعرت بطعڼة أعمق من الكسر.
قلت
وأنت شنو فكرت؟
نظر إلى الأرض.
حسيت المنظر يخوف بس ما أردت يزعلون مني.
سكبت له طبقاً.
قلت
كُل. وتعلّم هذا الشيء عندما يكون إنسان على الأرض، مساعدته ليست انحيازاً لطرف. هي إنسانية.
هز رأسه.
بكى بصمت وهو يأكل.
لم أحتضنه.
لكنني وضعت له قطعة خبز إضافية.
كانت الأيام التالية حرباً صامتة.
حيدر يترك الصحون المتسخة ليختبرني.
كنت أضعها في صندوق وأتركه أمام
باب غرفته.
مريم تشغل الغسالة آخر الليل.
أنزلت مفتاح الكهرباء عن غرفة الغسيل ووضعت وقتاً محدداً.
بدأ كرار يجمع صحونه دون أن أطلب.
حيدر حاول استخدام سيارتي.
لم يجد المفاتيح.
بعد أسبوع، وصلت أمي.
دخلت بوجه محاكمة، وكيس حلويات من السوق، كأن السكر قادر على تغطية التلاعب.
قالت حين رأتني بالعكازات
سامر يمه يا ولدي.
حاولت أن
تحتضنني.
تركتها.
ما زالت أمي.
لكن عندما بدأت بعبارة أختك ما عندها مكان،
قلت
أمي، أريدك تشوفين شيئاً.
عرضت عليها صور عتبة البيت.
البيض المكسور.
الحليب المسكوب.
قدمي المتورمة.
التقرير الطبي.
رسالة مريم التي تطلب فيها مسحوق الغسيل في ذلك اليوم نفسه.
وقائمة المصاريف.
جلست أمي ببطء.
قالت
مريم
بدأت أختي تبكي مرة
متابعة القراءة