الفصل السابع امراه مجهوله
الفصل السابع
امراه مجهوله
تجاوزت الساعة الثانية بعد منتصف الليل. كانت الإسكندرية تغرق في نوّة شتوية مفاجئة؛ الأمطار تضرب الجدران بقسوة، والرياح تعصف بأزقة الأنفوشي وتجعل خشب الأبواب القديمة يئن.
داخل الدكان الصغير، كانت نادين تجلس على فراشها الأرضي، جسدها متصلب وعيناها شاخصتان نحو الباب. الغريزة التي أنقذتها مراراً كانت تصرخ في عقلها الآن أنتِ لستِ بخير. لم يكن هذا خوفًا عاديًا، بل كان ذلك الإحساس الخانق الذي كان يتملكها في بيتها القديم قبل أن يفتح طارق باب الغرفة لينهال عليها بالضرب.
حزمت أمرها بسرعة. أخرجت حقيبتها القماشية الصغيرة، وضعت فيها ما تبقى من نقودها، والوشاح، ثم وقفت لتستعد للحركة. لكن، قبل أن تخطو خطوة واحدة نحو الباب الخلفي للدكان... سكنت الرياح فجأة، وتوقف كل صوت في الكون، باستثناء صوتٍ واحد.
طَق... طَق... طَق...
وقع أقدام ثقيلة، منتظمة، وواثقة. خطوات حذاء عسكري صلب يطأ برك الماء في الزقاق المظلم. خطوات لا يمكن لنادين أن تخطئها لو عاشت ألف عام. إنه هو.
تجمّدت نادين في مكانها، كأن صاعقة ضربت أطرافها. سقطت الحقيبة من يدها. اقتربت الخطوات
افتحي الباب يا نادين.. الصياد لا يطرق باب فريسته مرتين.
انفجرت الدموع من عينيها، وجف حلقها تمامًا. حاولت التحرك نحو النافذة الخلفية، لكن جسدها كان مشلولاً من الرعب. لم تنتظر الإجابة؛ فجأة، دوت ضربة عنيفة حطمت قفل الباب الخشبي، لينفتح على مصراعيه ويدخل منه الإعصار.
وقف طارق الشاطر بكامل قامته الفارهة، يرتدي سترته الجلدية السوداء المبللة بمياه المطر. وجهه كان خاليًا من أي تعبير بشري، وعيناه تلمعان بجنون لم تره فيه من قبل. أغلق الباب خلفه ببطء، وسحب المزلاج المحطم، ثم التفت إليها.
نظر إلى شعرها المقصوص، وعباءتها الرثة، ووجهها الشاحب، ثم ابتسم ابتسامة سخرية مرعبة
الست صابرين؟ بائعة الأقمشة؟ تباً.. لقد جعلتِني أخلع بذلتي العسكرية وأتحول إلى مجرم لأجلكِ. هل ظننتِ حقًا أنكِ قادرة على دفني في رمال النهروالعبث بعقلي!!؟؟
اقترب منها طارق بخطوات بطيئة، يخلع قفازه الجلدي الأسود. تراجعت نادين حتى اصطدم ظهرها بالرف الخشبي للأقمشة. امتدت
أنا لم آتِ لأعيدكِ إلى السجن يا نادين.. أنا جئت لأصحح الخطأ. النيابة قيدت الحادثة انتحاراً غرقاً، وأنا سأنفذ حكم النيابة الليلة في هذا البحر. ستموتين فعلياً هذه المرة.
في تلك اللحظة، وتحت وطأة الاختناق، حدث شيء لم يتوقعه طارق، ولم تحسب له نادين حساباً. لم تعد تلك المرأة الضعيفة التي تستجدي الرحمة وتعتذر عن ذنب لم تقترفه. تذكرت جنينها الذي سقط تحت قدميه، تذكرت جحيم حياتها، وأدركت أنها إن ماتت الليلة، فستموت وهي تقاتل.
انفجرت غريزة البقاء داخلها كبركان. امتدت يدها يميناً بحركة عشوائية سريعة فوق رف الخياطة، وقبضت أصابعها على مقص حديدي ضخم وثقيل يُستخدم لقص القماش السميك.
وبكل ما أوتيت من قوة حقد، وقوة قهر، وقوة أم حُرمت من طفلها، رفعت نادين يدها وهوت بالمقص الحديدي نحو عنق طارق.
لم يتوقع الضابط المحترف هذه الجسارة من امرأة كان يكسرها بنظرة. حاول التراجع في جزء من الثانية، لكن نصل المقص الحاد انغرس بقوة في كتفه وقرب عنقه، مخترقاً الجلد واللحم.
أطلق طارق صرخة ألم مكتومة، وتراجع خطوتين
كانت نادين تقف أمامه، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، وتمسك بالمقص الملطخ بالدماء بيدين ترتجفان لكن عينيها كانت تشتعلان بنور القوة لأول مرة في حياتها. صرخت في وجهه بصوت هز أركان الدكان
لن أركع لك مجدداً يا طارق! إن كنت تريد موتي، فستأتي معي إلى الجحيم!
حاول طارق سحب مسدسه من جيبه والشرر يتطاير من عينيه، لكن نزيف كتفه وألم الطعنة شلّ حركته للحظات. استغلت نادين هذه الثواني الذهبية؛ دفعت طاول الخشبية الكبيرة بوجهه لتسقط فوقه، وانطلقت كالسهم نحو الباب، خارجة إلى زقاق الأنفوشي تحت المطر الغزير، تاركة خلفها ضابطاً ينزف، ولعبة مطاردة تحولت رسمياً إلى معركة حياة أو موت
امتزجت دماء طارق بمياه الأمطار التي غمرت أرضية الدكان. تراجع خطوة إلى الخلف، واستند بظهره إلى الجدار الخشبي الذي تلطخ باللون الأحمر القاني. كان يلهث، لا من التعب، بل من فرط الذهول والصدمة. الضحية المستكينة، القطة الخائفة التي كانت تتبول رعبًا من صوته، طعنته!
لم يكن ألم الجرح الجسدي شيئاً مقارنةً