الفصل السابع امراه مجهوله
الداخل؛ لقد تحطم كبرياؤه تمامًا. سحب يده عن كتفه النزف، وضغط على الجرح بقوة ليوقف تدفق الدم، ثم انتشل مسدسه الأسود غير المرئي من جيبه. تحولت ملامحه إلى قناع شيطاني، وهمس بنبرة تقطر موتاً
والله لأشرب من دمكِ يا نادين.. الليلة، سأقطع أصابعكِ التي تجرأت ولمستني.
خرج يترنح إلى الزقاق المظلم، تاركاً خلفه خطاً من الدماء تمحوه مياه المطر ببطء.
في هذه الأثناء، كانت نادين تركض في شوارع الأنفوشي الغارقة في الظلام. كان المطر يغسل وجهها، ويمتزج بدموعها الساخنة، لكنها لم تكن تبكي خوفاً هذه المرة؛ بل كان بكاء ذعر ممزوج بنشوة الانتصار. لقد ضربته! لقد رأيت نظرة العجز في عينيه لأول مرة!
كان المقص الحديدي لا يزال مثبتاً في يدها اليمنى، وأصابعها متبلدة حول مقبضه من فرط القوة التي قبضت بها عليه. التفتت خلفها برعب، فلمحته من بعيد... كان يخرج من رأس الزقاق كشبح أسود، يترنح قليلاً لكن خطاه كانت حثيثة، ومسدسه يلمع تحت ضوء عمود الإنارة الخافت.
رآها طارق. لم يصرخ، ولم يطلب منها التوقف، فالصياد لا ينبه طريدته. رفع مسدسه ببرود جليدي، وثبّت ذراعه رغم ألم كتفه، وأطلق الرصاصة الأولى.
باممم!
دوى الصوت ليمزق صوت الرعد. اخترقت الرصاصة الهواء لتصطدم
دخلت نادين إلى صالة العرض الكبيرة الشبه مظلمة؛ كانت الرائحة تعبق باليود والسمك، والطاولات الرخامية الكبيرة موزعة في المكان كالتوابيت الممتدة. انزلقت قدمها بسبب المياه والزيت على الأرض، فسقطت بعنف خلف إحدى الطاولات الرخامية الضخمة.
كتمت أنفاسها، ووضعت يدها على صدرها الذي كان يعلو ويهبط كطبول الحرب.
بعد ثوانٍ، سمعت صوت الباب الحديدي للحلقة يئن. دخل طارق. كانت خطواته أبطأ الآن، وصوت حذائه يصدر صريراً رطباً فوق الأرضية المبللة. كان ينزف بغزارة، والدم يتقاطر من جرحه ليصنع علامات على الأرض، لكن عينه كانت تبحث عن حركتها كصقر في الليل.
تحدث طارق بصوت هادئ، تردد صداه في الصالة الخاوية المخيفة
أعلم أنكِ هنا يا نادين.. لا جدوى من الاختباء. أنتِ طعنتِ ضابط شرطة، عقوبتكِ الإعدام على أي حال.. لكنني لن أترك المشنقة تأخذ متعتي. اخرجي.. وسأجعل موتكِ سريعاً.
كانت نادين تنكمش خلف الرخام، وبدأت تدرك أن الاختباء يعني الموت حتماً؛ فنزيفه سيجعله أكثر شراسة، ومسدسه
تحاملت نادين على ألم ركبتها المجروحة. خلعت وشاح رأسها بسرعة، وألقته بعيداً نحو زاوية أخرى من الصالة ليصدر صوتاً خفيفاً عندما اصطدم ببعض الصناديق البلاستيكية الفارغة.
انتبه طارق للصوت فوراً. استدار بسرعة ووجه مسدسه نحو مصدر الصوت، وأطلق رصيصتين متتاليتين بام! بام! تحطمت الصناديق وتناثرت في المكان.
وفي تلك الأجزاء من الثانية التي انشغل فيها طارق بالاتجاه الخاطئ، خرجت نادين من خلف طاولة الرخام كالمستذئب. لم تكن تركض للهروب، بل كانت تركض نحوه!
أمسكت بالرافعة الحديدية الصدئة بكلتا يديها، وهوت بها بكل عزمها على ذراعه اليمُنى التي يحمل بها المسدس قبل أن يستدير بالكامل.
طاااخ!
ارتطم الحديد بعظم ذراعه ليدوي صوت كسر واضح في المكان. سقط المسدس من يده بملامح تشوهت من شدة الألم الفظيع، وتراجع طارق إلى الخلف وهو يطلق صرخة غضب عارمة. لكنه، برغم كسر ذراعه وطعنة عنقه، اندفع بجسده الضخم نحوها مثل ثور هائج، وضربها بيده اليسرى لتقع على الأرض بعنف، ثم ارتمى فوقها محاولاً خنقها بيده السليمة.
أصبحت وجهًا لوجه مع الموت. عيناه الحمراوان كانت تبصق الحقد فوق وجهها، وأصابعه تعتصر عنقها مجدداً. بدأت الدنيا تسود في عيني نادين، وشعرت بروحها تسحب منها...
لكن يدها اليسرى، التي كانت حرة، بدأت تتحسس الأرض ببطء وسط مياه الصالة.. وفجأة، لمست أصابعها مقبض المقص الحديدي الذي سقط منها منذ قليل.
لم تفكر. لم تتردد. رفعت يدها بكل ما تبقى لها من وعي غائب، وغرزت نصل المقص بكامل طوله في الجانب الأيسر من صدر طارق... مباشرة في قلبه.
تجمد طارق في مكانه. اتسعت عيناه بذهول مرعب، وانقطع السواد في عينيه ليحل محله فراغ الموت. تراجعت أصابعه عن عنقها ببطء، وسقط جسده الضخم هامداً بجانبها فوق أرضية صالة السمك المبللة، بينما استمر المطر في الخارج يضرب السقف المعدني للحلقة كأنه يعلن نهاية الكابوس.
استلقت نادين على ظهرها، تلتقط أنفاسها بصعوبة بالغة، وتنظر إلى سقف الصالة المظلم. لقد انتهى الأمر. الطاغية مات.. وماتت معه نادين الخائفة للأبد.
كيف ستخرج
نادين من مسرح الجريمة هذا والدم يغطيها، وجثة ضابط شرطة معروف تمدد بجانبها؟ وهل ستكون هذه نهاية عذابها، أم بداية لمطاردة من نوع آخر مع القانون؟ هذا ما سنعرفه في الفصل الأخير من الرواية!
بقلم ملكه