الشمس كانت حامية جدا في اليوم ده، وندى واقفة في نص موقع الإنشاءات
معاك لما اخلص، خلص شغلك وامشي يا حمزة.. بجد امشي!
نظر لها حمزة بلا مبالاة، ثم قال
براحة على نفسك شوية ها ، هتفجري الموقع من النار اللى فوق راسك دي !
.......
بعد مرور ساعتين في الموقع، الجو كان مشحون لدرجة إن الهوا نفسه كان بيغلي.. ندى كانت جوا المطعم عمالة تهبد في اللوحات وتزعق في العمال، وصوتها جايب لآخر الشارع.. حمزة كان برا، مخلص شغله من بدري، وواقف قدام ورشة متنقلة تابعة للموقع، بيلم مفاتيح الربط والعدة بتاعته في الشنطة وهو بيصفر ببرود.
فجأة، الباب الحديد بتاع المطعم اتفتح بقوة، وخرجت ندى وهي وشها أحمر من الغضب، عروق رقبتها بارزة من كتر الزعيق، وماشية تضرب الأرض بكعبها كأنها بتنتقم من البلاط في كل خطوة.. حمزة رفع عينه وشافها بالحالة دي، مكنش قادر يمسك نفسه من الضحك، سحب كرسي خشب قديم وسند ضهره على عربية نقل مركونة، وبص لها ببرود
يا ساتر يا رب! إيه يا بشمهندسة؟ خارجة من الموقع كأنك خارجة من قفص أسود؟ مالك وشك قالب ألوان كدا ليه؟ الألوان اللي فوق طلعت فوشيا بدل بستاج ولا إيه؟
ندى وقفت قدامه وهي بتنهج من الغضب، وشاورت بصابعها في وشه وهي بتقول بصوت مرتعش
اتكتم خالص! اتكتم يا حمزة أنا مش طايقة نفسي ولا طايقة حد! الدنيا كلها بقت مستفزة، والناس بقت باردة، والعمال اللي جوا دول شوية أغبية.. أغبية زيك كدا بالظبط!
حمزة نزل رجله من على الكرسي وقام
أنا غبي؟ طيب كتر خيرك يا ست الرقة.. وبعدين إيه اتكتم دي؟ إنتِ فاكرة نفسك بتكلمي السواق بتاعك؟ اهدي كدا و خدي نَفَس، لتموتي مننا هنا والناس تفتكر إني أنا السبب في الجريمة دي!
ندى رمت اللوحات على الأرض بغل وقالت
يا ريت أموت وأرتاح منكم! عمال يستظرفوا، وصنايعية مبيفهموش، أقوله الدهان ده مات يقولي يعني إيه يا أبلة هو كان عايش؟ يقولي أنا أبلة! أنا !!! ، عالم أغبية ، عالم مابتعرفش الأصول، أنا إيه اللي رماني الرمية دي بس يا ربي!
حمزة ساب العدة من إيده تماماً، وقرب منها بخطوات بطيئة وهو حاطط إيده في جيبه، وبص لها من فوق لتحت بضحكة صفرا زادتها جنان
والله يا آنسة ندى، العمال دول غلابة، إنتِ اللي طلباتك فانتازيا.. يعني عايزة واحد لابس عفريتة وشايل شوال أسمنت يفهم في ال مات وال شاين؟ ما تروحي تجيبي مهندسين يدهنوا لك المطعم كله بالمرة!
ندى بدأت تلف حول نفسها من كتر حرقة الدم
إنت هتقولي؟ ما إنت زيك زيهم! طينة واحدة، همجية واحدة، لسان طويل وقلة ذوق، والرجالة كلهم أصلاً صنف واحد.. مبيفهموش غير في الزيت والشحم والهرجلة، مفيش إتيكيت، مفيش رقي، مفيش حد بيقدر الفن اللي بنعمله!
حمزة وشّه قلب، ورفع حاجبه باستنكار
رجالة؟ هو إحنا دخلنا في موضوع الرجالة كمان؟ لا ده إنتِ كدا اتلسعتي خالص.. يا بنتي إحنا اللي شايلين الشغل
ندى صرخت بصوتها كله والناس بدأت تبص عليهم
خطين؟ إنت بتقول على شغلي خطين؟ ده أنا دارسة وتعبانة وشقيانة، وبنزل المواقع في عز الشمس عشان أطلع شغل يشرف، وفي الآخر ييجي واحد ميكانيكي زيك يتريق عليا؟ أنتم... إنتم صنف مبيحسش، إنتو عبء على البشرية والله!
بدأت ندى تروح وتيجي قدام الموقع بعصبية
وبعدين إيه البرود اللي إنت فيه ده؟ واقف تتفرج عليا وأنا بحترق؟ ما تنطق! ما ترد! ولا الفهلوة بس بتطلع لما تكون عايز تجر شكل وخلاص؟ أنتم كدا يا رجالة، لما تلاقوا ست ناجحة وشاطرة، تحاولوا تكسروا مقاديفها بلسانكم الطويل وتريقتكم البايخة!
حمزة بص لها بهدوء غريب، ومسك جيركن ماية كبير كان جنبه لسه مليان، كان ناوي يغسل بيه إيده والعدة..
ندى كانت في قمة عصبيتها وعمالة تلف وتدور حوالين نفسها وهي بتهلوس
والله أنا ما قاعدة فيها ثانية واحدة! الموقع ده يتلغي، الشغل ده يبوظ، أنا هكلم زميلي ييجي يستلم القرف ده، أنا مش حمل صنايعية يجلطوني وميكانيكي يطلعلي في كل خرم إبرة و ........
وفجأة، ومن غير أي مقدمات، حمزة رفع الجيركن بكل قوته وكب الماية كلها دفعة واحدة فوق دماغ ندى وهي في نص كلامها .
السكوت حل في المكان.. ندى اتكتمت فجأة، والماية نزلت شلال على
.................
حمزة ركن الجيركن على الأرض ببرود ونفض إيده وقال
أحسن! كدا الموتور هدي شوية؟ أصلك كنتِ شايطة وخوفت العربية اللي وراكي تولع من كتر الشرار اللي طالع من عينك!
ندى بدأت تستوعب اللي حصل، وبصت لهدومها المبلولة وشعرها اللي لزق على وشها وقالت بصوت مخنوق
إنت.. إنت عملت إيه؟ إنت كبيت عليا ماية؟ يا قليل الذوق ! إنت عارف الطقم ده بكام؟ إنت عارف أنا شكلي بقى عامل إزاي دلوقتي؟
حمزة ضحك من قلبه وقال وهو بيعدل ياقته
شكلك؟ شكلك بقى عصفورة مبلولة الجزء التاني! وبعدين الماية دي معدنية يعني مش بيئة خالص، اشكري ربنا إني مطفيتش الحريقة اللي في نفوخك دي بماية من المالح!
ندى كانت بتبكي من كتر القهر والغيظ، لمت شنطتها واللوحات المبلولة من على الأرض وقالت وهي ماشية وبتبعد عنه
ليه عملت كدا؟ بجد ليه؟ والله منا قاعدة فيها ثانية واحدة، أنا هسيب الموقع ده خالص وأديه لواحد زميلي يستلمه.. أنا كرهت اليوم اللي شوفتك فيه تاني!
مشيت ندى وهي بتجر أذيال الخيبة ، وحمزة فضل واقف مكانه يراقبها وهي ماشية، وبعدين ضحك بقوة وهز راسه وقال بصوت واطي لنفسه
يخرب بيت سنينك.. ده إنتِ نار ماشية على الأرض.. بس والله
ال عصبية بتخليكي أحلى بكتير!
يتبع.
آية_عيسى
روايات_واسكريبتات_مميزة