رواية قلبي وعيناك والأيام الفصل الاول للكاتبة رحاب إبراهيم
رواية قلبي وعيناك والأيام الفصل الاول للكاتبة رحاب إبراهيم
سيد العائلة..
رمز القوة فيها..كيف لو عصرت قلبه فتاة أقرب لأن تكون طفلة!
وماذا لو قررت الرحيل فجأة؟
وماذا لو عادت بعد سنوات لتقع بين يديه من جديد عن طريق الصدفة وهي تتوسل الرحمة؟
هل هذه المرة الحب من سيتحدث أم الأنتقام؟
هل خلف هذا القناع الناري جنون الحب أم شيء آخر؟
وماذا عن تلك الصغيرة العمياء؟
وإرث العصيان الذي يلوح من بعيد لتفريق العائلة؟
المقدمة
النسيان
التناسي
الذكريات
أن كان النسيان قوة لا ترهقنا بالتفسير وتحمل عنا أثقالنا، فالتناسي مثل الضباب الذي يخفي كل شيء.
يرتفع ويرتفع، ويحجب عن أنظارنا الأشياء جميعها
نتوهم بالتجاوز،!
ننخدع مؤقتًا،!
نغتر بقوة زائفة لا نحملها.!
ومن ثم الهدوء الهدوء، ونرى الذكريات ضاحكة ساخرة، وتفتح الصفحات من جديد لتخبرنا فقط أننا لازلنا على قيد التمنّي. والشوق والحب،!
اللعنة!
والذكريات أكثر وفاء من أصحابها، رثاء ليوم ابتسمنا أو بكينا فيه يومًا من قلوبنا.
كأن الذكريات طفلة متمردة، صارخة، عاصية، لا تكبر لتعقل، ولا تلين لترحم!...
كل ما تنعم به علينا. هو أن تغفو مؤقتًا ثم تعود إلى صحوتها المفزعة وتصرخ من جديد!
ومن بين مائة رجل ستجد رجل واحد لا تفلح معه الإغراءات. ولا يستميل قلبه بسهولة، ولا تلفت نظره إلا امراة مميزة، استثنائية، لا يرى غيره استثنائها!
وغالبًا لا يحب سوى مرة واحدة، مهما مرت السنوات. سيبقى على العهد قائمًا مقام المحارب، المقاتل في عشقه.
نوعية نادرة من الرجال، لا تُقدم قلوبهم سوى تجربة واحدة بالحب، يسخرون من التنقل بالقلوب.
وقلوبهم تأبى الزحام، ولا تتخطى المشاعر بسهولة!
قلوب دقة الحب فيها، گ الموت!
لا يحدث إلا مرة واحدة.
فماذا لو أحب هذا الرجل بمنتهى الصدق، وقُبلت كل مشاعره وعشقه بالغدر؟
منتهى الصدق يواجه منتهى الخيانة!
النقيضان!
لوحة
أيا النسيان أين أنت؟
يبدو أن عشر سنوات لم تكن كافية ليأتي النسيان على حصانه الجامح، ويبتر نبته الحزن والضجيج المؤلم بالقلب!
ذاكرة القلب أكثر شراسة من ذاكرة العقل!
ونتحلى بالصمت عند منتهى الألم...
فأصبح هو كل هذا، رجل الصمت الأسود،
رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الأول
عبرت السيارة البورش باناميرا السوداء بوابة منزل كبير، عريق الأصل، تحاوطه حديقه يملؤها أشجار الزيتون.
منزل يخطف الأبصار ليس ببنائه الحديث!
بينما لذلك المعمار الذي يرجع لأعوامٍ كثيرة ماضية كأنه باقي من العصر الفيكتوري...
بقايا من تاريخ أحدى كبرى العائلات.
تملئه الحكايا، تملئه البقايا. من كل راحل. ومن كل ما زال على قيد الحياة.
نهبت السيارة الطريق برشاقة، كالمرأة الفاتنة التي تتبختر بغرور وتغنج، كأنها تدرك أنها الوحيدة التي يليق عليها الإغراء.
وذلك الذي يجلس في المقعد الخلفي من السيارة. تحاوطه هالة الرجولة والغموض، سيطر الغموض على سيمائه.
رجل لا يتحدث كثيرًا، كأن كثرة الحديث ستخطف جزءً من عمقه وهيبته، ومن سنواته الأربعين.
ينظر للنافذة بجانبه في شرودٍ تام...
صمت غارق في شيء هو وحده يفهمه، ويواريه، يُخفيه عن تلصص الفضول.
ولا معرفة حتى ما خلف نظراته المشفرة بتلك النظارة السوداء التي تخفي عمق عينيه، وجسارة نظراته القوية الثاقبة...
رجل الصمت الأسود!
مثلما أطلق عليه!
ماليش أمل في الدنيا دي، غير أني أشوفك متهنّي، حتى أن لقيت أن بعادي. راح يسعدك أبعد عني، .
أنطلق صوت الحب ليلى مراد من المذياع المُلحق بالسيارة.
انتفض رماح الشوق بخاطره، بعد كبحٍ كاد يدميه أنين! رغم أنه لم ينسى مطلقًا!
وانتفضت عروق فكيه من ضغطه على أسنانه بعصبية مكتومة...
هذه المقطوعة مجددًا؟
يا الله
تلاحقه گ أيام العمر!
ليست بالنسبة له كما الجميع!
مقطوعة غنائية، استطاعت
عينيها التي لم ترحل من ذاكرته. ومن ابسط الأشياء التي كانت تخصها، ومن بقاياها.
كان يتذكرها غامرًا بالحنين والأشتياق والغضب...
وبهجرها هجره أمتياز الحب. وتخضبت جميع الاختيارات بالأسود بعد ذلك، ولكن الحب دائمًا يحمل الاستثناءات.
ارتفعت ضربات قلبه بالتدريج، صاح الألم بمرارة الريق وغصة لم تفارقه منذ سنوات...
كل مرة كان يُصيح عندما تتردد تلك المقطوعة بالخطأ في أي مكان يتواجد فيه، كان يغضب ويأمر أن يتم أغلاقها في الحال...
اليوم لم يستطع هذه المرة، وأن أعترف وترك هذا الكبرياء جانبًا ولو لبرهة، سيعترف أن جنونه بها فاق الاحتمال والطاقة على صبر الفراق...
وللحنين عودة!
عشر سنوات يا قاسيتي!
دق قلبه بالعتاب لمكانٍ مهجور بزاوية معتمة بروحه. مكان بالقلب غارق بالدموع على امرأة...
امرأة قلبه الأبدية.
الذي لم يتخطى حتى ذكراها ولو بعض الشيء!
انتهت المقطوعة، وضجت المصادفة الأكثر إثارة لمشاعره، عندما نطق صوت أنثوي إذاعي باسم المطربة...
لا يخصه بالأمر شيء سوى الاسم الأول فقط...
ضجيج المشاعر صاح باسم ليلى
ليلى من بين جميع الليالٍ. فكر بسخرية أنه قيس النسخة الجديدة. والأكثر عذابًا. والأتعس حظًا!
نطق بصوته الأجش المليء بالشجن والحنين قائلًا للسائق أن يذهب به، لذلك المكان الذي زاره مراتٍ كثيرة خلال سنواتٍ ماضية. ولكنه امتنع عن زيارته لأكثر من شهرين مؤخرًا، وأعتقد أنه يتداوى!
ظن وهمي بالشفاء...
وكأن الذكريات شفاءها الابتعاد عن أماكن التصقت بها بعض المشاهد الساكنة بسير الوتين...
تساءل السائق في تعجب طب مش هتروح المستشفى يا دكتور وجيه؟
رد وجيه وهو يعود بنظرته للنافذة وأكتفى بالقول لأ، .
وكما عاهده السائق، قليل الكلام، إجابته بأقل عدد من الكلمات!
وقفت السيارة السوداء أمام محل قديم. له باب معدني فضي يجّر من
نظر إليه وجيه للحظاتٍ، ثم ترجل من السيارة بخطواتٍ يبدو عليها التردد!
گ الذي أصابه الإدمان لشيء يبغضه ولكنه مرغم عليه حتى يستعيد هدوئه.
وقف بجسده المنيف الذي يغطيه معطف طويل أسود يناسب فصل الشتاء الراهن العنيف.
قطرات مياه المطر تنزلق من بين كلمات مكتوبة باللون الأبيض من تلك اللوحة الزرقاء الشاحبة المتقشرة، المدون عليها اسم المكان محل الزهور
قال وجيه للسائق بنظرة متمعنة للوحة، وبإشارة من أصبعه، ودون الاستدارة أرجع أنت يا علي،
تساءل السائق علي وهو ينظر للرجل الموالي ظهره في ثبات أسيب العربية ولا أرجعها البيت يا دكتور؟ .
رد وجيه باختصار سيبها، أنت أجازة النهاردة،
استدار وجيه هذا المرة ليخرج شيء من جيبه ثم وضع عدة أوراق نقدية بيد السائق، ابتسم على بخفاء، وراقه تلك الإجازة التي لم يطلبها والمدفوع ثمنها أيضاً وغادر عائدًا لمنزله، أوقف سيارة أجرة وأختفى من الطريق...
أقترب وجيه من الباب الفضي ثم أخرج ميدالية مفاتيحه الخاصة التي من ضمنها المفتاح الخاص بهذا المكان...
والذي أصبح ملكه بعد عامٍ واحد من الفراق، أي من تسع سنوات، عندما أعلن المالك هذا المحل للبيع لضرورة السفر، وتم البيع
انحنى وفتح القفل الحديدي الذي تآكل من الصدأ بعض الشيء، بسبب مياه الأمطار الغزيرة لسنواتٍ عدة، جرّ الباب للأعلى ليتضح أمامه، ملف الذكريات.
طاولة زجاجية مستطيلة عليها بعض أصُص الزرع لعدد من سلالات الزهور التي ذبلت حتى الموت، وجرَّ أخرى بكل الأرفف الزجاجية التي تملأ الجدران ذي اللون الازرق، المليئة بأحواض فارغة من النباتات، وأطلال زهور اللافندر والريحان، وخلف الطاولة ماكينة كهربائية لتصوير الأوراق والمستندات، بجانب أصُص زهور اللافندر.
يستطع رغم ذلك استنشاق رحيقها، الماضي يأتي بكل ما فيه، حتى الروائح تأتي من الحنين إليها!
وعلى يمينه
المقعد الهزاز من خشب الباولونيا، الثابت بجانب أرفف صغيرة مكتبية، بها عدد