قيود_من_حرير سيليا_البحيري الفصل الثالث

لمحة نيوز

يستر علينا منها.
يبتسمان معًا رغم القلق الذي يسيطر عليهما، وكل منهما يحاول أن يكون قويًا من أجل الآخر.
في وسط حديثهما، يُفتح باب الغرفة ببطء، وتطل حور برأسها الصغيرة من وراء الباب. شعرها الطويل الفاتح ينسدل على كتفيها، وعينيها الواسعتين تلمعان بالخجل والفضول.
حور بصوت خافت
ماما... بابا... ممكن أنام معاكو النهارده؟
ميار تبتسم بلطف وهي تمسح دموعها بسرعة
إيه يا حور؟ إنتي مش قلتِ إنك كبرتي ومش عايزة تنامي معانا تاني؟
حور تتقدم بخطوات صغيرة وهي تمسك دميتها
عارفة... بس النهارده حاسة بخوف. غزل مش هنا... وأنا عايزة أبقى معاكو.
سليم يبتسم ويرفعها لتجلس على السرير
إيه ده؟ حور الجميلة بتخاف؟ مين قال كده؟ أنا هنا، وماما هنا، ومفيش حاجة تخوفك.
حور تنظر إلى والدتها بجدية طفولية
ماما، غزل هترجع إمتى؟ وحشتني أوي.
ميار تحاول إخفاء قلقها وتضمها
غزل مسافرة شوية علشان شغلها يا حبيبتي. لكن هي كويسة وهتكلمنا قريب جدًا. إنتي ما تخافيش.
حور بتنهيدة
بس يا ماما، كل مرة غزل بتسافر، أنا بحس إن البيت بيبقى ناقص حاجة.
سليم يضع يده على كتف حور
عارفة يا حور؟ غزل بطلة، وبتعمل حاجة مهمة جدًا. وإنتي لازم تكوني فخورة بيها.
حور ترفع رأسها بفخر طفولي
أنا فخورة بيها، بس أنا عايزاها ترجع بسرعة. وهقولها كده لما تكلمنا.

ميار تقبل رأس حور
إن شاء الله يا حبيبتي، هترجع قريب وكلنا هنبقى فرحانين.
حور تستلقي بينهما وهي تمسك دميتها
طيب، مش هسيبكوا تناموا لوحدكم. أنا هفضل معاكم لحد ما غزل ترجع.
سليم يضحك وهو يغطيها بالبطانية
ده شرف كبير لينا، يا حور هانم بس لو هتقعدي معانا، لازم تسكتي شوية علشان ننّيم ماما.
حور تغمض عينيها بخبث طفولي
ماشي، بس لو حلمت بغزل، هصحّيكوا تحكولي عن الحلم.
ميار تضحك بهدوء
وأنا هستنى الحلم ده، يا حببتي.
يضُم الثلاثة بعضهم، وكل منهم يحمل في قلبه أملًا وحبًا، رغم القلق الذي يلفهم جميعًا. وبعد فترة قصيرة نامت حور الصغيرة في وسطهما، وصمت ميار وسليم، كل منهما غارق في أفكاره عن غزل.
في منزل والد غيث، غيث جالس في غرفته البسيطة. أوراق وكتب متناثرة على مكتبه الخشبي، ومصباح المكتب الصغير يضيء المكان بضوء خافت. صوت أمواج البحر من بعيد يُضفي هدوءًا على الأجواء، لكن أفكاره مشوشة. يمسك قلمًا بين أصابعه ويضغطه على الورق دون وعي، بينما يحدق في دفاتره دون أن يقرأ فعلًا.
غيث محدثًا نفسه
اتجوز؟ أنا؟ ماما كانت بتتكلم بجد؟ ولا بتختبرني بس؟ يعني لسه 19 سنة... وعندي الكلية والشغل اللي لازم أبدأ أدور عليه بعد التخرج... هي عايزة مني إيه؟
يتكئ غيث على الكرسي ويمرر يده في شعره بعصبية، ثم ينظر إلى صورة
عائلية صغيرة موضوعة على طرف المكتب، يظهر فيها مع والدته، والده، وشقيقه الصغير أمجد.
غيث بنبرة خافتة
أكيد ماما خايفة عليا... يمكن شايفة إن الجواز هيخليني أركز أكتر في حياتي. بس أنا مش مستعد... يعني... لسه مش جاهز أشيل مسؤولية حد تاني غير نفسي.
يُغلق الكتاب أمامه بعصبية، ثم يقف ويتجه نحو النافذة المطلة على الحي الهادئ. يفتح النافذة ويستنشق هواء الليل العليل، ثم يعود ليجلس على سريره، يحتضن وسادة صغيرة ويفكر بصوت عالٍ.
غيث
طب حتى لو فكرت... مين اللي ممكن توافق تتجوزني دلوقتي؟ إحنا عيلة بسيطة... مش هنلاقي بنت راضية بحياة زي حياتنا. وبعدين... أنا عندي أحلام... عايز أنجح وأكبر... مش عايز أتسرع.
في هذه اللحظة، يدخل أمجد، شقيقه الأصغر، إلى الغرفة حاملًا كرة صغيرة في يده.
أمجد بفضول
غيث! إنت بتتكلم مع مين؟
غيث ينظر إليه مبتسمًا
بتكلم مع نفسي يا عبقري. كنت بفكر في اللي ماما قالته النهارده.
أمجد يجلس بجواره
ماما كانت بتقولك تتجوز؟
غيث يضحك
آه، أمال إنت كنت سامع؟ ولا بتتصنت؟
أمجد مازحًا
أنا مش بتصنت، بس بصراحة، لو اتجوزت، أنا مش هكون لوحدي في البيت. هبقى أسيب كل شقاوة البيت على مراتك.
غيث يمسكه ويفرك شعره
يعني بتخطط تخرب الدنيا قبل ما أنا حتى أفكر؟!
أمجد يضحك
لا، بس أنا مش شايفك عريس دلوقتي.
لسه صغير، ولا حتى عرفت تطبخ لنفسك.
غيث يتنهد
بالظبط، لسه صغير... ماما مش فاهمة إن حياتي دلوقتي كلها مذاكرة وأحلام. الجواز مش ضمن الخطة دلوقتي.
أمجد ببراءة
طب ما تقولها كده. أنا هروح أقولها إنك خايف تطبخ لوحدك.
غيث يضحك ويرمي الوسادة عليه
اطلع بره، يا شقي!
أمجد يهرب من الغرفة وهو يضحك، وغيث يبتسم رغم أفكاره المتضاربة. يعود إلى مكتبه، يحاول التركيز في دراسته مرة أخرى، لكنه لا يزال يسمع كلمات والدته تتردد في ذهنه.
في صالون الفيلا الفخم، حيث الأرائك المزخرفة والطاولات الخشبية القديمة ذات النقوش الذهبية. الجد الأكبر نادر الشرقاوي يجلس على كرسيه الخشبي المفضل، يداعب عصاه المزخرفة برأس فضي. صفاء تجلس بجواره، تنسق أوراق الشاي على الطاولة. أما عادل، فيجلس قبالتهم، يُمسك بجريدة لكنه لا يقرأها، فقد شرد في حديث غزل الأخير.
نادر بصوت هادئ وحكيم
غزل دي بنتي الصغيرة، مهما كبرت في عيونكم، لسه شايفها الطفلة اللي كانت تجري حوالينا في الجنينة.
صفاء بتنهيدة قلقة
وأنا كمان يا عمي. مش قادرة أستوعب إنها في سنها ده عندها كل الشجاعة دي إنها تروح أماكن زي دي. سوريا يا نادر! هناك حرب!
عادل بحزم
غزل دي عنيدة. واخدة العند ده من سليم، ابننا، ومنك يا بابا كمان. ما حدش يقدر يثنيها عن قرارها.
نادر يبتسم بخفة
آه،
العند ده وراثة، بس عنادها فيه خير. غزل مش بتعمل حاجة إلا وهي واثقة إنها
تم نسخ الرابط