اكتشاف طفل مريض

لمحة نيوز

اكتشاف طفل مريض
لما منصور السيوفي عدى من البوابات الحديد لقصره في كينج مريوط الساعة 217 الصبح، كان فيه نقط دم ناشفة على قميصه، وإيده اليمين ورمة، وجوه البيت كان فيه هدوء يقبض القلب، لدرجة إن رجالته كانوا بيتمشوا على طراطيف صوابعهم وخايفين يتنفسوا.
قضى ست ساعات في مخزن في الملاحات بيأدب تلاتة من العيال اللي افتكروا إن الكبير كبر، وكان لازم يفهمهم إن الأسد لما بيكشر عنيابه مبيكونش بيضحك.
دلوقتي هو مش عايز غير السكون.
منصور كان بيملك الهدوء زي ما غيره بيملك العربيات والقصور. بيته ورا أسوار طولها 4 متر، وشجر عالي، ونظام مراقبة وتأمين يكفي تأمين وزارة الداخلية. الشغالين عنده عارفين إن الكلام بإذن، والحرس بتوعه بيختفوا تماماً بعد نص الليل.. حتى الرخام كان متدرب يسكت تحت جزمته.
وفجأة.. سمع صوت عياط طفل.
منصور وقف مكانه تحت النجفة الكريستال.
الصوت جه تاني.. ضعيف ومخنوق، طالع من تحت الأرض، من ورا الرخام والسجاد اللي بآلاف الدولارات.
واحد من رجالته، عزمي، حط إيده على السلاح اللي في جنبه يا باشا؟
منصور رفع إيده.. حركة واحدة خلت الصالة كلها تتجمد.
بدأ يسمع بتركيز.
دا مكنش عياط طفل بيتدلع، دا كان صوت طفل روحه بتطلع، نهنهة خفيفة وكأنها آخر نداء استغاثة قبل ما يغيب عن الدنيا.
عروق رقبة منصور اتشنجت.
قال بصوت واطي ومرعب محدش يتحرك من مكانه.
عزمي بلع ريقه ممكن يكون فخ يا كبير.
منصور كان عارف.. في كارُه، الشفقة دي بضاعة رخيصة، والرحمة فخ. شاف ياما كمائن معمولة بدموع ستات أو عيل بيصرخ.. رجالة ميعرفوش عن الإنسانية غير إزاي يمثلوها عشان يخلصوا عليك.
بس الكلام ده في بيته.. جوه مملكته.. وتحت أرضيته.
لف منصور واتوجه ناحية طرقة الخدم.
عزمي خد خطوة وراه،

فمنصور
بصله بصه واحدة بس.. خلت عزمي يتسمر مكانه.
قال منصور أمنوا البوابات اللي بره.. ومن غير صوت.
بس يا باشا
قلت من غير صوت يا عزمي.
الكلمة كانت كفاية.. اسم منصور السيوفي كان له هيبة تغني عن الزعيق.
عدى من المطبخ الواسع، وجنب الرخام الغالي، وكاس الويسكي اللي سابه مكانه من ليلة امبارح. ورا باب خشبي مداري، كان فيه سلم ضيق بينزل ل البدروم القديم، مكان للغسيل والكراكيب مبيلمحوش أصحاب القصور ولا بيحبوا يعرفوا إنه موجود.
العياط بقى أوضح.. وأقرب.
نزل منصور من غير ولا همسة، وإيده قريبة من الطبنجة اللي في ضهره.
تحت، الهوا كان مختلف. فوق، ريحة البيت بخور وعطر وفلوس.. تحت، الريحة كانت تراب وعفار ومواد تنظيف وريحة رطوبة تخنق.
مشي ورا الصوت لحد ما وصل لأوضة تخزين ضيقة بابها موارب.
الطفل كان جوه.
منصور زق الباب.. الهوا الساقع خبط في وشة.
في الركن، كان فيه خيال بيتحرك.
مد إيده ونور الكبس.. اللمبة رعشت ونورت بضوء أبيض فاقع كشف المستور. الأرض خرسانة مشققة وساقعة، كراكيب وجراكن بوية قديمة.. وست لابسة لبس الشغالات الرمادي، قاعدة في الركن وضامة طفل جوه بالطو قديم بتاعها.
بصتله.. والوجع والخوف شطبوا ملامح وشها.
همست بشفايف بتترعش منصور بيه!
كان عارفها.. شغالة من بتوع الوردية المسائية. غلبانة، دايماً موطية راسها، بتنظف المكتبة وتختفي قبل ما هو يوصل. عمره ما سمع صوتها قبل كدة.
دلوقتي كانت بتترعش من البرد لدرجة إن الطفل كان بيتهز في حضنها.
قالت بصوت مكسور أبوس إيدك.. أرجوك ماتعملوش حاجة.
منصور نطقش ولا كلمة، بس عينه كانت على الواد.
الطفل كان وشه أحمر زي النار من السخونية، وشعره مبلول عرق، وصدره بيزيق مع كل نفس بالعافية.
الأوضة كانت تلج.. برد يكسر العضم.

سألها منصور اسمك إيه؟
الست بربشت بعينها، كأنها كانت مستنية قلم على وشها مش سؤال.
قالت نورا.. نورا بينيت.
والواد؟
ياسين.
السخونية دي عنده من إمتى؟
شفايفها اتهزت من العياط من ظهر امبارح يا باشا.
ماطلبتيش دكتور ليه؟
وشها اتخطف وبانت فيه كسرة النفس قبل ما تحاول تداريها.
لأ.. مكلمتش.
ليه؟
قول اقتراح عشان أنزلك الجزء التاني 
سكتت نورا وهي بتبص للأرض، وصوت نهنهة ياسين كانت بتقطع سكون المكان.
قالت بصوت مخنوق عشان مكنش معايا حق الكشف.. وكمان خفت أقول لحد في القصر يمشيني.. أنا ماليش مكان أروحه غير هنا يا باشا، والجو بره كان مطر ومكنتش هعرف أوديه في حتة.
منصور عينيه كانت ثابتة عليها، ملامحه اللي كانت من دقايق زي الحجر بدأت تتغير، بس مش لضعف، لغضب مكتوم. غضب من إن في حاجة بتحصل تحت أرضه وهو ميعرفش عنها حاجة، وإن فيه طفل بيموت من البرد وهو فوق بيشرب أغلى أنواع الويسكي.
منصور قرب خطوة، نورا انكمشت في نفسها أكتر، بس هو مد إيده وحط ظهر صوابعه على قورة الولد. حرارته كانت كفيلة تخلي منصور يسحب إيده بسرعة.
نطق بلهجة آمرة قومي.
نورا بكت بخوف والله يا باشا هلم حاجتي وأمشي حالاً، بس ابني تعبان..
قاطعها بصوت غليظ زلزل الأوضة قلت قومي! وشيلي الواد ده في حضنك كويس.
خرج منصور من الأوضة الضلمة وهي ماشية وراه بتترعش، طلع السلم الضيق ووصل للمطبخ، ومنه للصالة الكبيرة اللي كان عزمي ورجالته واقفين فيها ومستعدين لأي غدر.
لما شافوه طالع ومعاه الشغالة وابنها، الكل اتسمر مكانه.
بص لعزمي وقال بلهجة مفيهاش نقاش عزمي.. تكلم الدكتور الخاص بتاعي يجي حالاً، وتقول للأوتيل اللي بنتعامل معاه يبعت أكل سخن يكفي عيلة كاملة.
عزمي استغرب دكتورك يا باشا؟ بس الدكتور
دا جراح
ودولي..
منصور بص له بصه خلت عزمي يسكت تماماً يتحرك حالاً، ولو اتأخر دقيقة واحدة حسابه معايا أنا.. فاهم؟
التفت لنورا اللي كانت واقفة في نص الصالة الفخمة بلقطتها الرمادي المبهدلة وسط الرخام والدهب، وقال لها اطلعي الأوضة اللي فوق جنب جناحي، الأوضة دي فيها دفاية مركزية وسرير مجهز.. والداية اللي هتيجي تفضل معاه لحد ما حرارته تنزل.
نورا بذهول فوق يا باشا؟ في أوض الضيوف؟
منصور سابها واتوجه لمكتبه، وقبل ما يقفل الباب وراه بص لها وقال في بيتي، مفيش حد بينام على الخرسانة.. ومفيش طفل بيموت من البرد وأنا موجود.
قفل الباب وراه، وساب القصر كله في حالة ذهول، الرجل الذي كان يقتل بدم بارد منذ ساعات، قرر أن يشعل حرباً ضد الموت من أجل طفل خادمة.
دخل منصور مكتبه، رزق رزع الباب وراه هزت أركان المكان. قلع الجاكيت اللي كان عليه دم، ورمى سلاحه على المكتب بخشونة، بس عينيه كانت لسه شايفة صورة ياسين وهو وشّه أحمر زي الجمرة.
بره في الصالة، نورا كانت واقفة مش مصدقة، حاسة إنها في حلم. عزمي كان بيجري بالتليفون بيقلب الدنيا عشان يوصل للدكتور، والحرس اللي كانوا من شوية ذئاب بشرية، بقوا بيبصوا للأرض بكسوف وهم شايفين الست الغلبانة دي شايلة ابنها وواقفة وسط عز السيوفي.
فجأة باب المكتب اتفتح تاني، ومنصور خرج وهو بيشمر كمام قميصه الأبيض، بص لعزمي وقال الدكتور فين؟
عزمي بلع ريقه على وصول يا باشا، خمس دقايق ويكون هنا.
منصور بص لنورا اللي كانت لسه متسمرة مكانها واقفه ليه؟ اطلعي فوق.. عزمي، خدها على الجناح الشرقي، افتح الدفايات على الآخر، والولا ده يتغير له لبسه فوراً.
طلعت نورا السلم الرخام وهي حاسة إن السجاد بيغوص تحت رجليها، دخلت أوضة عمرها ما حلمت حتى تشوفها في التلفزيون.
السرير كان ناعم ودافي، والدفاية بدأت تطلع حرارة خلت
جسم ياسين
تم نسخ الرابط