اكتشاف طفل مريض

لمحة نيوز

الصغير يبطل الرعشة اللي كانت فيه.
بعد شوية، الدكتور وصل وهو بينهج، دخل الأوضة ومنصور واقف وراه ساند ضهره على الباب، ومربع إيده، وعينيه مابتنزلش من على الولد. الدكتور كشف بسرعة، ووشه كان عليه علامات القلق يا منصور بيه، الولد عنده التهاب رئوي حاد، وسخونية داخلة على ال 40.. لو كان فضل تحت ساعة كمان، كان...
منصور قاطعه بصوت زي الرعد مش عايز أعرف كان هيحصل إيه.. عايز أعرف هيخف إمتى.
الدكتور بدأ يدي حقن ويركب محاليل، ونورا قاعدة في الأرض جنب السرير بتعيط ومنهارة. منصور قرب منها، ومن غير ما يبصلها، طلع رزمة فلوس وحطها على الترابيزة اللي جنبها.
نورا بصوت مبحوح مش عايزة فلوس يا باشا، أنا بس عايزة ابني يقوم بالسلامة.
منصور بص لها بصه غريبة، مكس بين القسوة والرحمة، وقال لها بصوت واطي ابنك هيقوم.. ومن هنا ورايح، مفيش خرسانة تاني، ومفيش خوف.. اللي يدخل ذمة منصور السيوفي، ينسى الفقر وينسى الظلم.
خرج منصور وقف في البلكونة الكبيرة، ولع سيجاره وبص للسما اللي بدأت تشقشق بنور الفجر. في الليلة دي، منصور السيوفي مكسرش عضم حد، ولا صفى حسابات بالدم.. في الليلة دي، الكبير عرف إن قوته مش في السلاح اللي في جيبه، لكن في الروح اللي قدر ينقذها من الموت تحت سقف بيته.
نورا بصت من شباك الأوضة، شافت منصور واقف زي الجبل في الفجر، وحضنت ابنها اللي بدأ نفسه يهدا.. وعرفت إن القدر لما بيقفل باب، بيفتح مكانه أبواب حديد، بس وراها قلب ميعرفش غير الأصول.
قعد منصور في الصالة الكبيرة تحت، ملامحه لسه قاسية بس عينه فيها لمعة غريبة.. هدوء ما قبل العاصفة. عزمي دخل عليه وهو بيعدل جاكيت بدلته يا باشا،
الأكل وصل، والست
والولد ناموا.. الدكتور بيقول إن الحرارة بدأت تنزل.
منصور نفخ دخان سيجاره ببطء وقال مين اللي كان مسؤول عن كشف الوردية المسائية امبارح يا عزمي؟
عزمي ارتبك الريس كامل يا باشا.. هو اللي بيراجع التمام قبل ما الخدم يمشوا.
منصور قام وقف، وطول قامته وهيبته خلت عزمي يرجع خطوة لورا. ناديلي كامل.. حالاً.
بعد دقيقتين، دخل كامل وهو بيترعش، راجل في الخمسينات بس قدام منصور كان بيبان زي العيل الصغير. منصور بصله بصه باردة وقال كامل.. إنت عندك ولاد؟
كامل بلع ريقه أيوة يا باشا، تلاتة.
منصور قرب منه وسأله بهدوء يرعب يرضيك واحد منهم ينام على خرسانة وتلج وهو بيموت وأنا نايم فوق في العز ده؟
كامل سكت ونزل راسه في الأرض. منصور صوته عليّ فجأة وبقى زي الرعد لما ست زي دي تضطر تستخبى في جحر الفئران عشان خايفة تتقطع أرزاقها، يبقى العيب مش فيها.. العيب في النظام اللي إنت حاطه يا كامل. العيب في إن رجالتك بقوا يخوفوا الغلابة أكتر ما بيخوفوا الأعداء.
منصور كمل كلامه وهو بيشاور على السلم من بكره، البدروم ده يتردم.. وأوض الخدم تتوضب وتبقى آدمية، والست دي وابنها أمانة في رقبتك.. لو لمحت ذرة خوف في عينيها تاني، رقبتك هي اللي هتسد التمن.
كامل خرج بيجري وهو بيحمد ربنا إنه طلع حي. منصور رجع قعد، وعزمي قرب منه يا باشا، إحنا عندنا تسليم بضاعة بكره على المينا، والجو مشحون.. بلاش تشغل بالك بحكايات الشغالين دي دلوقتي.
منصور بص لعزمي وابتسم ابتسامة باهتة اللي ميعرفش يحمي طفل في بيته يا عزمي، ميعرفش يحمي مملكته بره.. روح جهز الرجالة، الحرب اللي جاية محتاجة قلوب ميتة، بس أنا قلبي لسه فيه نبض عشان
الواد اللي فوق ده.
الفجر
شقشق، ومنصور فضل قاعد مكانه، حارس القصر والروح اللي جواه. لأول مرة من سنين، يحس إنه مش بس تاجر سلاح أو كبير المطاريد.. حس إنه إنسان، وإنه النهاردة كسب معركة أهم بكتير من كل الصفقات اللي عملها في حياته.
منصور قام وقف قدام الشباك الكبير، وبص للنيني بتاع عين الشمس اللي بدأ يظهر من بعيد. فجأة، سمع صوت خبط خفيف على الباب. كانت نورا، وشها لسه شاحب بس عينيها فيها لمعة امتنان حقيقية.
قالت بصوت واطي ياسين فاق يا باشا.. ونطق اسمي. أنا مش عارفة أشكرك إزاي، أنا..
منصور مقاطعهاش، بس شاور لها تسكت ماتشكرينيش يا نورا. أنا مابعملش جميل في حد، أنا بس برجع ميزان العدل اللي مال في بيتي ومن ورا ظهري.
طلع رزمة فلوس تانية من درج المكتب وحطها في إيدها دي مصاريف ياسين، ومن بكره، انتي مابقتيش خادمة في الوردية التانية.. انتي بقيتي مسؤولة عن الجناح الشرقي كله، وليكي أوضة آدمية انتي وابنك، ومرتبك هيتضاعف.
نورا بدأت تعيط من الفرحة، ومنصور لف ضهره عشان ميبينش تأثره يلا، روحي لابنك.. وبكره الصبح عزمي هياخدك انتي وهو لأكبر مستشفى في مصر عشان نطمن عليه تماماً.
لما خرجت، عزمي دخل والشرر بيتطاير من عينيه يا باشا، الخبر وصل ل الجوهر.. وعرفوا إنك انشغلت بليل بظروف في البيت، ورجالتهم بدأوا يتحركوا ناحية المخازن اللي في الملاحات.
منصور ابتسم ابتسامة مرعبة، الابتسامة اللي الكل بيخاف منها، ولبس الجاكيت بتاعه وهو بيسحب الطبنجة الجوهر افتكر إن قلبي حن فبقى سهل يتكسر؟ هما ميعرفوش إن الواحد لما بيعمل خير، بيبقى قلبه حديد ومبيخافش من الموت.
بص لعزمي وقال بلهجة حاسمة جهز العربيات.. النهاردة
هنمسح اسم الجوهر من السوق
خالص. اللي يحاول يقلق راحة بيت منصور السيوفي وهو بيصلح غلطه، يبقى حكم على نفسه بالإعدام.
خرج منصور من القصر، بس المرة دي مكنش الدم اللي على قميصه هو اللي شاغل باله، كانت ضحكة ياسين اللي سمعها وهو طالع، الضحكة اللي خلت وحش شيكاغو الشرق يتحول لإعصار مبيخمش غير لما يهد الدنيا فوق دماغ اللي يعاديه.
ركب عربيتة السوداء، والموكب بدأ يتحرك في هدوء الفجر.. رايحين ينهوا حكاية، ويبدأوا أسطورة الكبير اللي مبيظلمش، بس مبيسيبش حقه.
العربيات المرسيدس السودا شقت سكون الفجر وهي ماشية ورا بعضها زي القطر، والمنظر كان يرعب. منصور كان قاعد في الكنبة اللي ورا، ملامحه هادية هدوء مخيف، بيبص من الشباك على الملاحات اللي بدأت تظهر في الأفق.
عزمي سحب أجزاء سلاحه وقال بصوت واطي الجوهر حاطط أكتر من عشرين راجل عند المخزن رقم ٩، فاكرين إننا مش هنيجي قبل الضهر.
منصور رد وهو بيعدل ساعة إيده عشر دقايق.. ومش عايز أسمع صوت رصاص كتير. عايزهم يفهموا إننا دخلنا وخرجنا وهما لسه بيسموا الله.
أول ما وصلوا، العربيات فرملت مرة واحدة وقفلت المداخل. رجالة منصور نزلوا زي الشياطين، مفيش كلام، مفيش تحذير. منصور نزل من العربية بكل برود، مشي وسط ضرب النار وهو حاطط إيده في جيبه، الرصاص كان بيعدي من جنبه وهو ولا اتهز، كأن عنده عهد مع الموت إنه مياخدهوش النهاردة.
دخل المكتب اللي في نص المخزن، لقى الجوهر قاعد وواضح عليه الصدمة، السجائر مالي الطفاية قدامه ورجله بتترعش.
الجوهر بصوت مهزوز منصور! إنت إيه اللي جابك دلوقتي؟ إحنا مكنش قصدنا...
منصور قرب منه، سحب كرسي وقعد قدامه وجهاً لوجه. بصله بصه خلت الجوهر يحس إن روحه بتتسحب كنت
فاكر
إنك لما تشغلني بظروف بيتي
تم نسخ الرابط