اكتشاف طفل مريض
هتعرف تمد إيدك على رزقي؟
الجوهر بلع ريقه دي تجارة يا منصور.. والسوق مبيعرفش بيت.
منصور مال بجسمه لقدام وهمس بصوت زي فحيح الأفعى السوق مبيعرفش بيت.. بس أنا بيتي خط أحمر. والنهاردة، أنا مش جاي عشان بضاعة ولا عشان فلوس.. أنا جاي أعلمك الأدب، عشان لما تفكر تلعب مع منصور السيوفي تاني، تفتكر إن اللي قدر يحيي روح عيل صغير بيموت في بيته، يقدر ينهي روحك بصباع واحد.
منصور قام وقف، وبحركة سريعة قلب المكتب بكل اللي عليه. بص لعزمي وقال احرق المخزن ده بكل اللي فيه.. مش عايز أثر لاسم الجوهر في الملاحات تاني.
خرج منصور والمخزن وراه بيتحول لكتلة نار نورت سما الاسكندرية. ركب عربيتة وهو حاسس براحة غريبة. رجع القصر والشمس كانت خلاص طلعت.
أول ما دخل، سأل بلهفة استغربها هو نفسه ياسين عامل إيه؟
نورا نزلت تجري من فوق، وشها كان فيه ضحكة أول مرة يشوفها الحمد لله يا باشا.. الحرارة نزلت خالص، وفطر وبقى بيلعب.
منصور طلع الجناح، وقف على باب الأوضة وشاف ياسين قاعد على السرير بيلعب بقطر صغير كان عزمي جابهوله. الولد أول ما شاف منصور، ضحك وبدأ يمد إيده ليه.
منصور قرب منه، ولمس شعره بحنية مكنش يعرف إنها موجودة جوه قلبه الحديد ده. في اللحظة دي، السيوفي عرف إن القوة الحقيقية مش في النار اللي ولعها في المخازن، ولا في السلاح اللي شايله، القوة الحقيقية كانت في إن الوحش بقى ليه قلب بيخاف عليه، وقلب ياسين ونورا بقوا هما الحصن الجديد اللي هيحارب الدنيا كلها عشان يحميه.
منصور قعد على طرف السرير، وياسين الصغير مسك صباعه بإيده الضعيفة وضحك ضحكة بريئة، هزت كيان الراجل اللي الدنيا كلها بتعمله ألف حساب. منصور بص لنورا اللي كانت واقفة بعيد بتبص له بامتنان، وقال لها بصوت هادي وبلهجة آمرة
من النهاردة، الجناح ده مقفول عليكي وعلى ابنك.. أي حاجة يحتاجها ياسين، من لبس، تعليم، أو لعب، تيجي ليكي قبل ما تطلبيها. والبيت ده اللي يقرب منكم فيه، يبقى قرب من منصور السيوفي شخصياً.
نورا بكت وهي بتبتسم مش عارفة أرد جميلك إزاي يا باشا.. إنت أنقذت حياتنا.
منصور قام وقف وعدل قميصه، وبص لها بصه أخيرة قبل ما يخرج الجميل اترد لما شفته بيضحك.. الضحكة دي تمنها أغلى من كل اللي الجوهر خسروا النهاردة.
خرج منصور وراح لمكتبه، لقى عزمي مستنيه ووشه مليان أخبار يا باشا، السوق كله مقلوب.. حريقة المخازن خلت الكل
يعرف إنك رجعت أقوى من
منصور قعد ورا مكتبه الفخم، ولع سيجار وسند ضهره لورا خليهم يتساءلوا يا عزمي.. خليهم يعرفوا إن اللي يملك القوة إنه يرحم، يملك القوة إنه يكسر أي حد يفكر يغلط.
عزمي ضحك وقال بس يا باشا، الست نورا والواد ياسين.. هيفضلوا هنا طول العمر؟
منصور بص للدخان وهو طالع في الهوا وقال بيقين ياسين مش ابن شغالة يا عزمي.. ياسين من النهاردة تحت حمايتي، وهكبره وأعلمه لحد ما يبقى راجل يشرف.. أنا مابخلفش ولاد، بس الدنيا بعتتلي روح أحافظ عليها، ويمكن هي دي الروح اللي هتنجيني من النار اللي عايش فيها.
ساد الهدوء في المكتب، بس المرة دي مكنش هدوء خوف، كان هدوء نصر. منصور السيوفي، الملياردير اللي كان العالم بيشوفه وحش، اكتشف إن جواه حتة لسه بكر، وإن أحياناً خادمة وطفل ممكن يعلموا زعيم عصابة معنى الرجولة اللي السلاح مبيعرفش يحكيها.
ومن بعيد، وسط فخامة القصر، كان صوت ضحك ياسين بيتردد في الطرقة، كأنه بيعلن بداية عهد جديد في مملكة السيوفي.. عهد ميزانه العدل وسيفه الرحمة.
مرت الأيام، وقصر السيوفي اللي كان عبارة عن حصن بارد ومخيف، بدأت تدب فيه الحياة. مابقاش مجرد مكان لإدارة الصفقات المشبوهة، بقى فيه صوت طفل بيجري في الطرقات، وضحكة بتكسر هيبة الرخام والصمت اللي كان بيخنق المكان.
في يوم، كان منصور قاعد في الجنينة الكبيرة، واللابتوب قدامه بيتابع حركة الأسهم، وياسين الصغير كان بيلعب بالكورة جنب رجله. عزمي دخل عليهم وهو شايل ملفات، وبص للمنظر باستغراب يا باشا، الشحنة الجديدة وصلت المينا، والرجالة مستنيين إشارة منك عشان يخلصوا الورق.
منصور بص لياسين اللي كان بيحاول يشوط الكورة وهو بيقع ويقوم، وابتسم ابتسامة خفيفة خلي كامل يروح يخلصها.. أنا مش فاضي النهاردة.
عزمي اتصدم مش فاضي؟ دي صفقة بالعمر يا باشا!
منصور قام وقف، وشال ياسين على كتفه وقال له ياسين عنده تطعيم النهاردة، وأنا اللي هوديه بنفسي.. مش عايز حد من الحرس يدخل معاه، أنا هكون الحارس بتاعه.
عزمي مكنش مصدق إن غول الملاحات ساب الملايين عشان حقنة طفل، بس مكنش يقدر يفتح بقه.
لما راحوا المستشفى، منصور كان واقف زي الجبل قدام أوضة الكشف، ونورا جنبه بتبص له بذهول.. الراجل اللي الكل بيترعش من اسمه، واقف قلقان على عيل صغير ملهوش معاه صلة دم. نورا قربت منه وقالت بصوت واطي منصور بيه.
. إنت عملت لينا
منصور بص لها بصه حادة بس فيها حزن قديم عشان طول عمري بجمع فلوس وقوة يا نورا، وافتكرت إن ده اللي هيخليني ملك.. بس لما شفت ياسين بيموت على الخرسانة، عرفت إني كنت أفقر واحد في الدنيا. الولد ده رجعلي حتة من روحي كانت ضاعت مني وسط الدم والفلوس.
وهما خارجين من المستشفى، ظهرت عربية سودة مفيمة قفلت عليهم الطريق. الحرس بتوع منصور شدوا السلاح، بس منصور رفع إيده يهديهم. نزل من العربية التانية راجل كبير في السن، شعره أبيض، وده كان الحاج بركات، واحد من كبارات السوق اللي كانوا بينافسوا منصور.
بركات ضحك بسخرية بقى منصور السيوفي بقى بيشيل عيال ويودي دكاترة؟ السوق كله بيتكلم عليك يا منصور.. بيقولوا إنك كبرت وخرفت، وبقيت بتمشي ورا شغالة.
منصور نزل ياسين من على كتفه وسلّمه لنورا وقال لها تدخل العربية. قرب من بركات لحد ما بقى النفس في النفس، وقال بصوت فحيح يرعب يا بركات.. أنا شلت السلاح قبل ما إنت تعرف تمسكه، ودفنت رجالة أكتر من اللي بيمشوا وراك. لو فاكر إن رحمتي بعيل هي ضعف، يبقى جرب تقرب من العربية دي.. وشوف منصور القديم هيعمل فيك إيه.
بركات شاف في عين منصور نظرة موت مابتهزرش، فانسحب وهو بيبرطم بكلام مش مفهوم.
منصور ركب عربيتة، وبص لياسين اللي كان نام في حضن أمه، وقال للسواق اطلع على القصر.. ومن بكره، جهزوا ورق تنازل عن نص المخازن اللي في المنطقة الحرة باسم ياسين نورا بينيت.. عشان لما أكبر أو أموت، الولد ده ميرجعش ينام على الخرسانة تاني.
نورا شهقت من الصدمة يا باشا ده كتير.. كتير أوي!
منصور غمض عينيه وسند راسه لورا وقال بلهجة نهائية ده مش كتير على اللي رجعلي إنسانيتي يا نورا.. نامي وإنتي مطمنة، طول ما منصور السيوفي عايش، ياسين مش هيشوف يوم أسود.
ومع غياب الشمس، كانت أسطورة السيوفي بتتحول.. مابقاش مجرد مجرم
بيهابه الناس، بقى سند للغلابة، وجبل بيحمي اللي
ملهوش ضهر، وعرفت شيكاغو كلها إن الكبير لما بيحب، بيحب بجد، ولما بيحمي، بيبني سد مبيتهدش.
مرت السنين، وياسين كبر وبقى ابن منصور السيوفي في نظر الدنيا كلها، مش مجرد اسم في الورق. منصور علمه كل حاجة، من أول إزاي يقرأ السوق لحد إزاي يمسك السلاح، بس الأهم من ده كله، علمه إن القوة من غير رحمة هي مجرد بلطجة.
ياسين كان واقف في مكتب منصور، وبقى شاب مالي هدومه، ملامحه فيها من حدة منصور ومن طيبة أمه نورا اللي
فضلت
ياسين بص لمنصور وقال بلهجة فيها حيرة يا بابا، عزمي بيقول إن رجالة الجوهر الصغيرين بدأوا يظهروا تاني في الميناء، وعايزين يفتحوا حسابات قديمة.. إنت ليه سايبهم لحد دلوقتي؟
منصور اللي كان شعره شاب وبقى وقاره يزيد مع السنين، ضحك وهو بيعدل نضارته يا ياسين، الأسد مبيجريش ورا كلب بينبح.. إنت دلوقتي بقيت السيوفي، والناس بتبصلك عشان يشوفوا إنت هتعمل إيه. القوة إنك تسيطر عليهم من غير ما تريق نقطة دم واحدة، وتخليهم يشتغلوا تحت طوعك وهما شاكرين.
في اللحظة دي، دخل عزمي وهو مخضوض يا باشا، نورا هانم تعبت فجأة ونقلوها المستشفى!
منصور قام وقف زي الشاب اللي عنده عشرين سنة، ملامحه اتهزت لأول مرة من يوم ليلة الخرسانة. جرى على المستشفى ومعاه ياسين، وهناك لقى نورا نايمة على السرير، بتصارع المرض بس وشها كان هادي.
منصور مسك إيدها، ونورا بصتله وابتسمت بالعافية يا منصور بيه.. أنا مش خايفة من الموت، أنا بس كنت عايزة أشوف ياسين بقى راجل.. والحمد لله، بقى سيد الرجال تحت جناحك.
بصت لياسين وقالتله يا ابني، أوعى تنسى إنك كنت في يوم نايم على الأرض الساقعة، والراجل ده هو اللي شالك من الضلمة للنور.. خليك ضهره وسنده.
نورا فارقت الحياة وهي ماسكة إيد منصور، القصر كله اتشح بالسواد، ومنصور السيوفي اللي مكنش بيبكي قدام حد، دموعه نزلت وهو بيدفن الست اللي كانت السبب في إنه يكتشف قلبه.
بعد العزا، ياسين وقف قدام منصور وقال بصوت ثابت يا بابا، أنا من النهاردة مش بس ابنك.. أنا سيفك اللي هتضرب بيه أي حد يفكر إن غياب أمي كسرنا.
منصور حط إيده على كتف ياسين وبص للسما النهاردة يا ياسين، أنا هعتزل كل حاجة.. السوق، السلاح، والصفقات. المملكة دي بتاعتك إنت، بس بشرط واحد.. القصر ده يفضل مفتوح لأي حد غلبان، وأي عيل ينام جوه حيطان السيوفي لازم ينام دفيان وشبعان.
ياسين نفذ الوصية، وبقت مؤسسة السيوفي أكبر كيان خيري وتجاري في مصر، والناس بقت تحكي عن منصور اللي بدأ بدم وانتهى بنور، وعن ياسين اللي طلع من قلب الخرسانة عشان يبقى ملك على عرش القلوب.
وفي ليلة شتا ساقعة، منصور كان قاعد في البلكونة، وشاف خادمة جديدة شايلة ابنها وماشية في الطرقة، نادى عليها واداها جاكيت تقيل وقال لها بابتسامة نامي في الأوضة اللي فوق يا بنتي.. هنا مفيش حد بيبرد.
قفل منصور عينيه وهو مرتاح، عارف إنه لما يقابل ربه،
تمت