عقرب في بيتي
عقرب في بيتي
ابني دخل عليا الصالة وأنا قاعدة بطبق الفوط الداافية، وكان في عينه نظرة غريبة.. نظرة حد بايع كل حاجة وجاي ينهي حكاية. وراه مراته كانت واقفة، لافة دراعاتها حوالين نفسها، ووشها خالي من أي تعبير.. السكوت اللي يسبق العاصفة.
صوت النشرة كان شغال واطي في الأوضة التانية، والمطر برة بيخبط على الشباك زي دقات قلب سريعة. ليلة عادية جداً، بس كان فيها إحساس خانق.. إحساس إن في مصيبة هتحصل. وقف قدامي، وظله غطى المكان، وبصلي كأني عقبة في طريقه ولازم تتداس.
مستناش حتى أقعد.
قال لي الكلمة صدمة.. ديون مراته وصلت لنص مليون جنيه! نطق الرقم من غير ما يرمش، وكأنه ميزان حياتهم اللي اتقلب.
وبعدها، نزل عليا بالتهديد اللي جمد الدم في عروقي يا تدفعي وتشيلينا من ورطتنا.. يا تفضي البيت وتمشي!
بيتي أنا! الشقة اللي دافعة تمنها دم قلب وشقى سنين. المكان اللي وقفت فيه مع أبوه الله يرحمه على الطوب الأحمر وبنيناه طوبة طوبة. الشقة اللي ياما صحيت فيها في عز البرد عشان أربيه، ولفيت هدايا أعياد ميلاده على سفرتها.
مراته ضحكت ضحكة خطفت نفسي، وقالت ببرود مرعب وإنتي متبتة في الحيطان
وهنا ابني رماني بالكلمة اللي
دبحكتني بجد إنتي قاعدة هنا عشان إحنا مستحملين وجودك!
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. مستحملين وجودي؟! في بيتي؟
مرفعتش صوتي، ولا عاتبت، ولا فكرته بأي حاجة. هزيت راسي بس.. هزّة راس خلتهم يفتكروا إنهم كسروني.
تاني يوم الصبح، اللعبة اتكشفت. جابوا لي ورق.. ورق تفويض وإدارة متصاغ بخبث عشان يجرجروني للتنازل عن كل حاجة. ابني زق الورقة وهو بيخبط بصباعه على مكان الإمضاء، وعينه بتلمع بلهفة مرعبة. ومراته وراه بتقول ببرود نبقى نغير كالون الباب بالمرة.
في اللحظة دي، البيت كله اتحول لتلاجة. السكون بقى يخوف.
دخلت أوضتي في صمت تام. طلعت شنطة سفر واحدة، ولميت فيها هدومي، وعلاجي، وساعة جوزي الله يرحمه.. وحاجة تانية هما ميعرفوش عنها حاجة شوية ورق قديم وشيكات كنت شايلاها للزمن، ورق هما افتكروه زبالة ومش مهم، بس هو ده اللي فيه رقبتهم!
قبل الفجر، والضلمة لسه مغطية الشوارع، سبت ورقة صغيرة على السفرة، وقَفلت الباب ورايا بتكة صغيرة رنت في الهوا. دورّت عربيتي وطلعت على الطريق السريع والسرعة بتزيد معايا، وعيني على المراية.. ببعد عنهم وأنا
هما صحيوا وافتكروا إني هربت
مكسورة ودموعي على خدي.
بس اللي هما ميعرفهوش.. إن القنبلة الموقوتة سبتهالهم في البيت، وإن خروجي من الباب ده مكنش هروب.. ده كان بالظبط زي اللي بيشد فتيل الانفجار ويهرب قبل ما المكان يولع باللي فيه.
الحقيقة جاية ورايا.. بس هتوصلهم في إشعار من المحكمة!
حكايات شروق خالد
مرت أول يومين وهما فاكرين إن الدنيا دانت ليهم. اتخيلوا إن الشقة بقت ملكهم، وإن الولية العجوزة طفشت وخلت لهم الجو. ابني جرب يتصل بيا أول يوم، مش عشان يطمن، لأ.. عشان يسأل عن مكان عقد الملكية الأخضر وباقي ورق الشقة. طبعاً تليفوني كان مقفول.. مقفول تماماً.
عقد الشقة؟ ده أول حاجة حطيتها في الشنطة مع ساعة أبوه.
يوم التلات الصبح، الساعة كانت يدوبك عشرة. الشمس طالعة حامية، والهدوء اللي في الشقة مكنش هدوء راحة، كان السكون اللي بيسبق الزلزال.
الباب خبط.
مراته قامت تفتح وهي بتأفف، فاكرة إنها جارتنا ولا المحصل. فتحت الباب لقت قدامها راجلين لبيسين بدبوس المحاماة، وفي إيديهم كشوف رسمية بختم النسر يبرق. وبصوت جهوري وميري هز حيطان
ابني طلع جري من جوة على الصوت، وقال برعب مكتوم أيوا أنا.
. في إيه؟
المحضر بصله ببرود قاتل، وسحب من جيبه إعلانين قضائيين ورفض يسلمهم إلا بالبطاقة. سحبوا الورق، وبمجرد ما عينهم جت على العناوين.. الدم هرب من وشوشهم.
الصدمة الأولى دعوى طرد مستعجلة للغصب وسحب حيازة.
أنا مكنتش مجرد ست طيبة بتدفع قسط، أنا كنت كاتب الشقة دي باسمي، وعاملة لابني عقد إيجار مشاهرة قديم عشان يعرف يتجوز فيه، والعقد ده من حقي أفسخه في أي وقت لو حصل تعدي.
أما الصدمة التانية.. ودي اللي جابت عاليها واطيها إنذار رسمي على يد محضر بدفع ديون وشيكات مؤخرة.
الورق القديم المبهدل اللي كان في قاع الدولاب ومحدش مهتم بيه؟ دي كانت شيكات ووصولات أمانة كان ابني ماضيها لأبوه زمان لما أخد منه قرشين يبدأ بيهم مشروعه اللي فشل. جوزي الله يرحمه كتب لي تنازل عن الشيكات دي قبل ما يموت، وقالي شيليهم للزمن يا هدى.. عشان لو الزمن غدر بيكي معاه.
والزمن غدر.. بس أنا كنت صاحية.
مراته سحبت الورق من إيده وهي بتترعش، وبدأت تصرخ بصوت هيستيري ديون إيه وطرد إيه؟! دي أمك!