رواية الظرف الأصفر الحلقه الثانيه بقلم مصطفى محسن حصريه وجديده

لمحة نيوز

قد إيه أمي كانت خايفة، مش من اللي حصل ليوسف وبس، لكن من إنها تفقدني أنا كمان. زي طفل صغير بيستخبى في حضن أمه من خوفه، قلت لها وأنا بحاول أزرع الطمأنينة في قلبها رغم إن قلبي أنا نفسه كان مليان رعب متخافيش يا أمي... أوعدك إني هرجعلك، وهرجع ومعايا الحقيقة كلها. ومهما كان اللي مستنيني هناك، مستحيل أسيب حق يوسف يضيع. لكن كنت حاسس إن الطريق اللي قررت أمشي فيه ماكانش مجرد رحلة للبحث عن الحقيقة... كان طريق رايح بيا لسر، سر مدفون من سنين طويلة في أرض الصعيد، واللي يعرفه يا إما يعيش طول عمره مطارد، يا إما ما يرجعش أبدًا.
 
دخلت أوضتي وقفلت الباب. لأول مرة من ساعة وفاة يوسف حسيت إن الأوضة اللي عشت فيها سنين بقت غريبة عني، كأنها مش أوضتي، وكأن في عين خفية بتراقبني من كل ركن. فتحت الدولاب، طلعت شنطة صغيرة، وحطيت فيها كام طقم هدوم وأدوات شخصية، رغم إن جوايا إحساس بيقول إن الرحلة دي ممكن تغيّر حياتي للأبد. بعد ما خلصت، رميت جسمي على السرير وأنا مرهق جسديًا ونفسيًا. غمضت عيني، وحاولت
أنام، لكن بعد ثواني معدودة حسيت إحساس مرعب... إحساس واضح جدًا إن في حد واقف قدامي وبيبصلي. فتحت عيني بسرعة واتعدلت في مكاني، لكن ما لقيتش حد. الأوضة كانت فاضية تمامًا. أخدت نفس عميق وقلت لنفسي إن ده طبيعي، مجرد توتر وهلاوس من الصدمة والتعب. غمضت عيني مرة تانية، وفجأة سمعت صوت واضح جدًا، قريب من ودني، بيهمس باسمي كريم... فتحت عيني مفزوع وقفزت من مكاني، وبصيت يمين وشمال. وفي اللحظة دي... شفته. يوسف. كان واقف قدامي. نفس ملامحه، نفس طوله، نفس هدومه اللي سافر بيها، لكن في حاجة كانت غلط. غلط جدًا. ابتسامته ماكنتش ابتسامة يوسف اللي أعرفه، كانت ابتسامة باردة، غامضة، ومرعبة.
 
بصلي وقال رجوعك للقرية مش هيفيدك. لساني اتربط، وحسيت إن جسمي كله اتجمد. بصيتله وأنا برتعش وقلت بصوت مبحوح إنت مش يوسف. اتسعت ابتسامته أكتر، وهز راسه ببطء وقال صح... أنا مش يوسف. في نفس اللحظة، باب الأوضة اتفتح فجأة. أمي دخلت وهي بتقول يا كريم... إنت لسه ما نمتش؟ بصيت قدامي بسرعة، لكن المكان كان فاضي. يوسف
اختفى كأنه ما كانش موجود. حاولت أتماسك وقلت مافيش يا أمي... كنت هنام دلوقتي. قربت مني، وبصتلي بقلق وقالت صوتك مش عاجبني يا كريم، مالك؟ بلعت ريقي وقلت اليوم كان طويل، وأنا تعبان شوية. حطت إيديها على راسي وقالت ربنا يحفظك يا ابني ويستر طريقك. خرجت وقفلت الباب، وأنا فضلت قاعد على السرير دقايق طويلة، أحاول أقنع نفسي إن اللي شفته مجرد خيال، لكن صوت يوسف، أو الشيء اللي كان على هيئة يوسف، فضل بيرن في ودني. في النهاية غلبني الإرهاق ونمت نوم متقطع مليان كوابيس.
 
تاني يوم الصبح، لبست، أخدت شنطتي، كانت ماسكة فيا كأنها حاسة إنها ممكن ما تشوفنيش تاني. قلتلها وأنا بابتسم بالعافية متخافيش عليا. قالت وهي بتحاول تمنع دموعها خلي بالك من نفسك، وكلمني أول بأول. بوست إيديها وخرجت. ركبت عربيتي، وانا طول الطريق كانت ذكريات يوسف بتظهر قدامي؛ ضحكته، هزارنا، خناقنا على أتفه الأسباب، وصوته وهو بيناديني يا باشمهندس. وفي لحظات كتير كنت أحس إني شايفه قاعد جنبي في العربية، مع غروب الشمس وصلت القرية
اللي اتولدت فيها، القرية اللي سبتها من سنين طويلة، لكن واضح إنها ما سابتنيش أبدًا. أول ما وقفت قدام بيت العيلة، خرج ولاد أعمامي يجروا عليا، ، وكأنهم بيعوضوني عن غياب السنين وعن وجع يوسف. عمي الكبير قال نورت بلدك يا كريم يا ابني، والحياة مش دايمة لحد. ربنا يرحم يوسف. وبعدها قاللي في ناس من عيلة عبيد عرفوا إنك جيت، وعاوزين يتعرفوا عليك. ابتسمت رغم تعبي وقلت ده شرف ليا يا عمي. بالليل، اتجمع أعمامي وعدد من رجال البلد في المندرة. كانوا كلهم ناس بسيطة، وجوههم مليانة طيبة، لكن في عيون بعضهم كان في نظرة غريبة ما عرفتش أفسرها. وسط السلامات، دخلت ست عجوز منحية الظهر، ملامحها حادة وعينيها محفورين بشكل مخيف. أول ما شافها عمي الكبير اتوتر، وقام بسرعة وقال لها يا حاجة، البشمهندس تعبان ومحتاج يرتاح. وقفت وقلت لا يا عمي، سيبها. اتفضلي يا حاجة. حسيت ساعتها إن عمي ماكانش متضايق من وجودها... كان خايف منها. العجوز قربت مني، ومدت إيديها ومسكت كفي بقوة، وبصتلي في
عيني. صوتها كان خافت، وهي بتقول
يتبع

تم نسخ الرابط