اتجوزت برهان

لمحة نيوز

كريمة لمبة الجاز، ودخلت الملقط براحة وبحذر شديد.
حست بحاجة بتقاومها جوه.. حاجة زلقة وبتملص.
سحبت.. وإلياس رزع قبضته على التربيزة من الألم.
كريمة جزت على سنانها وشَدت بكل عزمها.
الأول ظهر بوز أسود..
وبعدها حشرة رفيعة وملوية وبتتحرك بين سنين الملقط الحديد.
ولما سحبتها للاخر، ظهرت وراها قطعة نحاس صغيرة محشورة كأن في حد دافنها في ودنه قاصد، ومحفور عليها طلاسم وعلامات غريبة!
إلياس فتح عينيه على وسعهم من الصدمة..
انحبست الأنفاس في الأوضة، وما بقاش مسموع غير صوت دقات قلبهم الطالعة والنازلة.
إلياس كان باصص لقطعة النحاس المحفورة وهي بتلمع تحت نور لمبة الجاز، وعينيه بتتحرك بذهول، كأن شريط حياته كله بيتعاد قدامه في ثانية. فجأة، حط إيده على ودنه.. الوجع الرهيب اللي كان بياكل نفوخه اختفى، وحل مكانه هدوء غريب أول مرة يحسه من عشرين سنة.
أما الحشرة المقرفة فكانت لسه بتبخ سمها وتتلوى في الملقط، ف رمتها كريمة بسرعة في الكانون، والنار كلتها في ثواني وطلعت ريحة شياط قلبت البطن.
لف إلياس راسه بالراحة ناحية كريمة.. ولأول مرة، عينه ما كانتش مليانة خوف ولا وجع. كانت نظرة صافية، مركزة، وكأنه لسه صاحي من غيبوبة طويلة.
وفجأة.. اتكلم!
صوته طلع مخنوق، ناشف، وزي ما يكون جاي من قاع
بئر مهجور بقاله سنين
كريمة...
كريمة اتسمرت مكانها، والملقط وقع من إيدها رن على الأرض. لسانها اتعقد ومش قادرة تنطق
أنت... أنت بتتكلم؟ بتسمعني؟
إلياس غمض عينيه ونزلت من عينه دمعة قهر حارقة، وهز راسه وهو بيتحسس ودنه اللي نزفت دم خفيف
أنا سامعك.. سامع صوت المطر برة.. وسامع صوت نفسي. العمل ده اندفن في ودني وأنا عيل صغيّر عشان يقطعوا لساني وودني عن الدنيا... عشان السر ما يتكشفش.
كريمة قربت منه بلهفة، وقلبها المقبوض من ظلم البلد اتحول فجأة لقوة
سر إيه يا إلياس؟ ومين اللي عمل فيك كده؟
إلياس مسك إيدها تالت مرة، بس المرة دي ما كانش ماسك نوتة ولا قلم.. كان ماسك فيها كأنها طوق النجاة اللي رجعه للدنيا، وبص ناحية الشباك اللي بيطل على غيطان كفر العلو، وعينيه بقت تلمع بشرار وغضب غريب
عمي... عمي الشيخ اللي عامل فيها ولي من أولياء الله الصالحين. هو اللي حطلي السم والعمل ده وأنا عندي تمان سنين، بعد ما شفته بعيني وهو بيدفن أبويا حي في الساقية القديمة عشان ياخد الأرض والورث.. وقال للبلد كلها إن أبويا سافر ومات في الغربة، وإني اتصبت بحمى طرشتني!
كريمة حست بقشعريرة في جسمها كله. البلد كلها كانت فاكرة إلياس وحش وأطرش،
وما حدش فيهم كان يتخيل إن السكات ده وراه جريمة دم عاشت عشرين
سنة تحت الأرض.
وقف إلياس على رجليه، طوله البارع وجسمه القوي اللي زي شجر الكافور ما بقاش منحني من الوجع. بص لكريمة اللي فستانها الأصفر اتملا بقع دم وطين، ومسح دموعها بإيده الخشنة وقال بنبرة هزت حيطان الأوضة
البلد دي ضحكت عليكي واشتروا ذلتك ب 1000 جنيه رهان.. ودفنوني أنا في صمتي وعجزي وعملوا عليا أسياد. بس من الليلة دي، مفيش سكات تاني يا بنت الأصول. حقك وحقي هناخده من عينيهم، والسبت اللي كانوا مستنيينه عشان يتفرجوا على خيبتنا.. هيبقى يوم حسابهم كلهم.
مسكت كريمة الحتة النحاس المحفورة، وكانت لسه سخنة ونار الكانون مأثرة فيها. بصت لإلياس وقالت وصوتها بيرتعش بس فيه غل وعزيمة
الشيخ عبد الجليل! الراجل اللي بيقعد في الصف الأول في الجامع، واللي كاتب نص أراضي الكفر باسمه؟ هو اللي عمل فيك كده؟
إلياس جز على سنانه وعروق إيده اتنفخت وهو بيبص لطرف الأوضة
هو.. البلد كلها كانت بتبوس إيده وتتمسح في بركته، وهو حارموني من طفولتي، ومسكتني بسحر أسود ودموعي كانت بتنزل كل ليلة من الوجع والناس فاكراني وحش وبلا عينين ولا لسان. كان فاكرني مش هقوم تاني.. بس ربنا أراد إن طوق نجاتي يجيلي على إيد البنت اللي
هما ظلموها ورموها ليا.
كريمة لفت شالها الحرير حوالين رقبتها، ومسحت دمها اللي جه
على الفستان الأصفر، وبصت لإلياس بعينين حامية
الناس في الكفر مستنيين الصبح يطلع عشان يجوا يتفرجوا علينا.. مستنيين يشوفوا البنت التخينة المذلولة وهي عايشة مع الوحش الأطرش في وسط الغيطان.. مش هنخليهم يشمتوا.
إلياس قرب من صندوق خشب قديم مدفون تحت القش في ركن الأوضة، رفعه ب إيديه القوية، وضربه برجله كسر القفل بتاعه. كريمة برقت لما شافت اللي جوه.. أوراق مبايعات قديمة عليها ختم أبوه، ودفتر توفير متشال من عشرين سنة، وفوقيهم مسدس ساقية عيار 9 ملم، أسود ولقامته بتلمع كأنه مستني اليوم ده.
إلياس شال المسدس وحطه في جلبابه، وبص لكريمة وقال بصوت قوي وراسي
جهزي نفسك يا بنت الأصول. الفجر هيدن كمان ساعة.. والنهارده السبت، السوق هيبدأ والبلد كلها هتتجمع في الساحة، وعمي عبد الجليل هيكون قاعد وسط الأعيان.
سكت ثانية، وبص في عينيها بحنية لأول مرة وقال
ال 1000 جنيه اللي أبوكي استلفها عشان يستر بيته، هيردها ليهم دهب.. والرجالة اللي ضحكوا عليكي في المذبح، هيركعوا تحت رجليكي يطلبوا السماح.
خرجوا الاتنين من البيت في قلب الضلمة، المطر كان خف وبقى يا دوب عفير خفيف بيغسل الأرض. إلياس كان ماشي بخطوات واسعة وثابتة كأنه مارد صحي من
النوم، وكريمة جنبه رافعة راسها لفوق، ولأول مرة تحس إن الفستان
الأصفر ده مش كفنها.. ده فستان النصر
تم نسخ الرابط