اتجوزت برهان
بتاعها.
وصلوا لمشارف الكفر والناس بدأت تصحى، وأنوار البيوت الطين بتقيد تفرش في الطين. في وسط الساحة، كان الشيخ عبد الجليل قاعد على دكة خشب، حواليه رجالة الكفر بيشربوا شاي الصبح وبيضحكوا، وواحد منهم لمح إلياس وكريمة جايين من بعيد، فصاح بصوت عالي وضحكة سخرية هزت المكان
أهو وصل يا رجالة! العريس والعروسة وصلوا.. ورونا بقى هتقبضوا الرهان إزاي!
الكل ضحك والتفتوا ليهم، والشيخ عبد الجليل ابتسم بوقار مزيف وهو بيعدل سبحته في إيده.. وما كانش عارف إن الصمت اللي عاش عشرين سنة، جاي النهارده ومعاه صوت الرعد.
الشيخ عبد الجليل وقف بالراحة، وعدل جلبابه الأبيض ونزل من على الدكة وهو ساند على عصايته الأبنوس، وبص لإلياس بنظرة فيها كبرياء وشماتة، وقال بصوت جهوري عشان الكل يسمعه
أهلاً بالعريس.. مبروك يا إلياس يا ابني، ربنا يرزقك بالذرية الصالحة.. والبلد كلها وقفت جنبك وسترت
البنت الغلبانة دي معاك.
الرجالة بدأت تتبادل النظرات والضحكات المكتومة،
إلياس وقف على بعد خطوتين بس من عبد الجليل. عينه كانت ثابته، ووشه ملوش أي تعبير. عبد الجليل مد إيده بالراحة يطبطب على كتف إلياس كالعادة، وهو بيقول بسخرية داراها في قلبه شد حيلك في غيطك يا واد يا
وقبل ما يكمل كلمته، إلياس مسك إيد الشيخ عبد الجليل. لواهاله ورا ضهره في ثانية بحركة سريعة وقوية زي حديد الساقية.
الساحة كلها اتلجمت. الضحك انقطع وفيه رجالة وقفت ويدها راحت على عصيانها
جرى إيه يا واد أنت اتجنيت؟! ده عمك البركة!
في اللحظة دي، إلياس بَص في عين عبد الجليل اللي برقت من الصدمة والخوف، ونطق.. صوته طلع زي زئير الأسد، هز الساحة كلها ونزل على نفوخ الشيخ كأنه صاعقة
بركة الطين والدم يا عبد الجليل! عِشرين سنة وأنت كاتم نَفَسي وسارق أرضي ودافن أبويا حَي؟!
الناس رجعت لورا خطوة من الرعب.. الأطرش بيتكلم! الوحش
بيتكلم وصوته بيرج الأرض!
عبد الجليل وشه
أنت.. أنت بتتكلم؟ إزاي.. ده أنت
أنا قُمت يا عبد الجليل! قمت بأمر الله وعلى يد البنت الطاهرة دي! إلياس زعق وهو بيزقه يرميه على الأرض تحت رجلين الرجالة، وطلع المسدس الساقية من جلبابه ووجهه لراسه مباشرة.
واحد من كبار الأعيان بلع ريقه وقال بصوت مرعوب
يا إلياس يا ابني.. فهمنا.. في إيه؟ إزاي بتتكلم؟
هنا كريمة طلعت قدام الكل. ملامحها كان فيها عزة وقوة خلت كل راجل في الساحة يوطي عينه في الأرض خجل. طلعت حتة النحاس المحفورة ورمتها في وسطهم وقال بصوت عالي سَمّع الكفر كله
الشيخ بتاعكم.. الولي اللي بتبوسوا إيده، كان عامل ل إلياس عمل حشرة وسحر أسود مدفون في ودنه من وهو عيل صغيّر عشان يفضل أطرش وأخرس وميقولش إن عمّه قتل أبوه وسرق أرضه! أنا اللي سحبت السحر ده بإيدي الليلة دي.. ودي الأوراق الرسمية بتاعة المبايعات القديمة ودفاتر التوفير اللي عمّه سرقها!
البلد
كلها اتقلبت همهمة
إلياس داس برجله الثقيلة على إيد عبد الجليل اللي ماسكة العصاية، وقال بنبرة مفيهاش رحمة
ال 1000 جنيه الرهان اللي ضحكتوا بيها على حِرمة بيوت الناس وكسرتوا بيها قلب أبو كريمة.. الشيخ عبد الجليل هيمضي حالا على تنازل عن نص الأرض اللي سرقها ليها.. مهر وكرامة لمراتي قدام الكفر كله. وال 1000 جنيه دي هتدفعوها من جيوبكم حالا لأبوها.. وإلا وقسماً بالله ما هسيب راجل فيكم ضحك في المذبح إلا وهغسل عاري بدمه!
الساحة سادها سكات رهيب.. سكات المرة دي مش بتاع عجز، ده سكات الخوف من الحق اللي رجع لأصحابه. عبد الجليل بدموعه مد إيده المرتعشة عشان يبصم على ورق التنازل، والرجالة بدأت تطلع الفلوس وتجمعها وهما منكسين الرؤوس.
إلياس لَف ل كريمة، وبص لها وبانت على وشه أول ابتسامة حقيقية من عشرين سنة، ومد إيده ليها وقال بصوت دافي وراسي
يلا يا بنت الأصول.