الحلقة الأولى بقلم نورا محمد علي
الحلقة الأولى
بقلم نورا محمد علي
وقف "فريد عبد الهادي" أمام المرآة يداعب شعره طويلًا، مسترجعًا كيف أقنعه صديقه المقرّب "عادل" بالذهاب معهم في رحلة الجامعة، والتي تمتد لخمسة أيام، تبدأ من الفيوم مرورًا بالصعيد، وتنتهي في النوبة.
عادل: هتيجي يعني هتيجي.
فريد: ما تتعبش نفسك.
عادل: بقى "فريد عبد الهادي" الدنجوان مش هيروح الرحلة اللي الكل عاوز يطلعها؟! عشان شوية بنات بيرسموا عليه؟! من إمتى يا معلم؟ دا احنا دفنينه سوا!
فريد: ممكن تسيبني برحتي؟
(يستلقي عادل على فراش فريد وهو يقول:)
عادل: على أساس إني عاشق جمالك في الضلمة؟! بلا خيبة، ماليش أنا في الخِشن!
فريد: اطلع بره يا له!
عادل: مش طالع! إنت فاكرني قاعد عشانك؟! لا يا حبيبي، أنا قاعد عشان المحشي اللي رحت قابلت البيت عشانه!
فريد: أموت وأعرف بتودي الأكل ده فين؟
عادل: إنت بتِنق!
فريد: لا، بيحسد بس...
عادل: ما أنا عارف، بس أوعى يا عم، الـ 7 بنات طالعين، وكلهم بيرسموا عليك! وكل واحدة أبهى من أختها، ابن محظوظة!
فريد: على أساس إنهم في دماغي؟! يلا بينا نتغدى عشان أخلص منك.
كان "فريد" مترددًا، هاربًا من ملاحقة الفتيات له. فهو شاب جذّاب، طويل القامة، أسود الشعر، أبيض البشرة يشوبها بعض الحمرة، متفوق دراسيًا، ميسور الحال،
وقف ينظر إلى انعكاس صورته في المرآة وهو يُهندم قميصه الأسود على بنطال جينز أسود، ثم ارتدى ساعته وهو يتساءل:
_ "يا ترى هكلم مين فيهم؟ هدى؟ أم رضا؟ أم غادة؟ أم ليلى؟ أم منى؟ أم منار؟ أم ريم؟ هو أنا بحب مين فيهم؟"
أُحب؟!
هل "فريد" حقًا من يطرح هذا السؤال؟
هو لا يحب أية واحدة منهن؛ كلهن صديقات، أو زميلات دراسة، أو علاقات عابرة.
حسم الأمر وهو يصفف شعره للمرة العشرين، وقال:
_ "مش مهم، المهم إني رايح الرحلة."
حمل حقيبته على كتفه، وأخفى عينيه البنيتين خلف نظارة شمسية سوداء. ألقى السلام على من في البيت، وغادر منزله متجهًا إلى الباص.
فريد: سلام عليكم يا شباب.
(رد الجميع، وراح كلٌ منهم يناديه ليجلس بجواره.)
فريد: لا شكرًا، أنا كده كده هنام، الطريق لسه طويل.
ألقى التحية مجددًا، ووجه ابتسامة ساخرة إلى "عادل"، ثم جلس في المقعد المخصص له، ولا تزال الابتسامة تعلو وجهه.
كانت تلك الابتسامة سببًا في تلقيبه بـ"الساخر".
فهو يسخر من كل شيء: من ماضٍ لا يستطيع تغييره، وحاضرٍ يحاول تعديله، ومستقبلٍ لا يزال مجهولًا.
وبعد ساعات، وصل الباص إلى الفندق المخصص لهم في الفيوم. لم يمر وقتٌ طويل حتى اندمج "فريد" مع الطبيعة، ومع جمال المكان الفطري. تنقّل من مكان لآخر
عاد إلى الفندق وصعد إلى الطابق المخصص للشباب، ومن حسن حظه أنه لم يُصادف أيًّا من الفتيات اللاتي يلاحقنه دون هوادة.
نام في سلام، وفي صباح اليوم التالي تحرّك الباص نحو المحطة التالية.
كان يومًا لا مثيل له. وعند وقت الغداء، اجتمعوا جميعًا على مائدة واحدة، لاحظ خلالها من تنظر إليه بعتاب، لكنه لم يُعرها اهتمامًا، بل اكتفى بابتسامة باردة.
وجّه حديثه إلى "عادل"، يناقشه في إحدى الصخور التي بهرته. فهما في الصف الرابع من كلية العلوم، تخصص "جيولوجيا"، لكن "فريد" كان يعشق الفيزياء والطبيعة.
انتقل الباص إلى المحطة التالية، ومن سحر إلى سحر، ومن عبق إلى عبق، حتى وصل إلى الأقصر.
هناك، عاش "فريد" اللحظة وكأنه يزورها للمرة الأولى، وكأن رحلاته السابقة إليها، والتي جاوزت العشر مرات، لم تكن.
تاه في عشق الآثار، والوقت يتلاشى وهو يتجوّل بين المعابد.
ثم انتقل الباص إلى أسوان؛ مدينة النقاء والكرم وعبق الحضارة، إنها روح مصر.
وبعد ليلة لا تُنسى، انتقلوا إلى المحطة الأخيرة...
النوبة الساحرة، وكانت خير ختام.
هناك، تجمّع الشباب والفتيات حول عرّاف عجوز، كلٌ منهم يمدّ كفه ليقرأ له طالعه!
أما "فريد"، فظل واقفًا في مكانه، تتراقص على شفتيه الرقيقتين بسمة ساخرة.
راح
إحدى الفتيات بحماسة: بجد يا شيخ؟! هتجوز اللي بحبه؟!
العرّاف: أيوة.
(تُخرج مبلغًا كبيرًا من المال وتُعطيه له.)
لم يتخيّل "فريد" مدى سذاجتهم!
وذلك الشاب "أيمن" يقول:
أيمن: هسافر بجد؟
العرّاف: آه، وهتبقى راجل أعمال.
أيمن: سمعتواااا؟! هههههه!
(ثم اقترب منه شاب آخر، يسأله ويأخذ يروي له.)
وهنا اقتربت "ريم" من "فريد"، وقالت:
ريم: حب...
(نظر إليها من طرف عينه، بملل.)
ريم: أقصد، "فريد"، مش هتشوف كفّك؟
فريد: لا.
ريم: ليه؟
فريد: مش عيب؟! آخر سنة جامعة! هنطلع علماء وأساتذة! وتؤمني بالتخريف دي؟
ريم: إدينا بنسأل...
فريد: دا دجال، ما يعرفش حاجة. بيضحك عليكم، وإنتم زي الهبل، بتدّوله فلوس وتصدقوا تخاريفه!
(تعالت السخرية على وجه "فريد"، فاقترب منه العرّاف، وقد سمع كل ما قاله، ونظر إليه طويلًا، ثم قال:)
العرّاف: إنت...
فريد: أنا؟!
تعليقات هنشر فصل كمان
روايات بقلم نورا محمد عليطططط
الفصل الثاني
بقلم: نورا محمد علي
العراف: إنت.
فريد: أنا؟
العراف: أيوه إنت يا ساخر.
فريد: بما إنك عارف إني ساخر، فأنا بسخر منك، عشان مفيش غير ربنا سبحانه وتعالى اللي يعلم الغيب.
العراف: وأنا ما قلتش غير كده.
فريد:
العراف: بس أنا ما ادّعتش.