جنا.زه جوزي

لمحة نيوز

ثمن حبك لهم أكثر مما ينبغي.
أما السطر الأخير فكان باهتًا بالكاد يُقرأ.
لكنه ما زال واضحًا
لا تحكمي على الأشياء من حجمها
تذكرة السفر كانت الباب.
ضممت رسالة أبي علي إلى صدري بقوة، وكأنني أخشى أن تنتزعها الأيام مني كما انتزعت صاحبها.
ولأول مرة منذ يوم الجنازة، لم أشعر أن زوجي يرقد تحت التراب بعيدًا عني.
بل شعرت أنه يجلس إلى جواري.
هادئًا كعادته.
عنيدًا كعادته.
يرتب أموره بطريقته الخاصة حتى بعد رحيله.
متأخرًا كعادته
لكنه ما زال يحميني.
قطع قيس صمتي وهو يقول
هناك أمر آخر.
رفعت بصري إليه.
وقلت بتنهيدة متعبة
يبدو أن الموتى لا يرحلون قبل أن يتركوا خلفهم مفاجأة أخيرة.
ابتسم ابتسامة خفيفة ثم قال
أولادك تواصلوا مع شركائنا القانونيين هذا الصباح.
شعرت بانقباض مفاجئ في صدري.
كيف عرفوا؟
هز رأسه وقال
هم لا يعرفون أين أنتِ الآن، لكنهم بدأوا البحث خلف الوصية. وقد تواصلوا بالفعل مع مكتب كاتب العدل في بغداد بعدما اكتشفوا أن بعض العقارات التي آلت إليهم ترتبط بالتزامات مالية كبيرة.
عقدت حاجبيّ باستغراب.
التزامات مالية؟
عدل نظارته وقال بهدوء
أبو علي لم يترك لهم أملاكًا عديمة القيمة، بل ترك لهم ما ظلوا يطالبون به طوال سنوات. العمارات، والسيارات، والأراضي، والحسابات التجارية.
ثم أضاف
لكنه ترك لهم أيضًا كل ما يتعلق بتلك الممتلكات من التزامات ديون وقروض والتزامات مالية. كما وضع بندًا قانونيًا
صارمًا يمنعهم من الطعن في الجزء الخاص من الوصية. وإذا حاولوا المطالبة بأي ممتلكات أخرى خارج العراق، فإنهم سيفقدون جزءًا مهمًا من حقوقهم فيما ورثوه بالفعل.
تجمدت في مكاني.
لم يكن الأمر انتقامًا.
ولم يكن عقابًا.
بل كان مرآة.
مرآة تركها أبو علي أمام أولاده ليروا فيها أنفسهم كما هم.
لقد اندفعوا نحو المال دون أن يتوقفوا لحظة لقراءة التفاصيل.
تمامًا كما كانوا يندفعون نحوي كلما احتاجوا إلى مال أو خدمة أو معروف.
ثم يختفون فور حصولهم على ما يريدون.
دون سؤال.
دون اهتمام.
دون أن يتذكر أحدهم أن لي قلبًا يتعب كما تتعب قلوب البشر.
همست بصوت خافت
أحقًا فعل أبو علي كل هذا؟
أجاب قيس
أبو علي منحهم فرصًا كثيرة ليكونوا أبناء صالحين، لكنهم هم من اختاروا غير ذلك.
في تلك الليلة نمت داخل المنزل الذي تركه حسن.
كان منزلًا قديمًا، لكنه يحمل دفئًا وهيبة يصعب وصفهما بالكلمات.
كانت الأرضيات الخشبية اللامعة تعكس الضوء الذهبي للمصابيح.
وكانت الأسقف المرتفعة تمنح المكان سكينة غريبة.
أما الشرفة الواسعة التي تحيط بالمنزل، فكانت تسمح لصوت المطر بالدخول من كل الجهات.
لكن المطر هنا لم يكن يشبه أي مطر عرفته من قبل.
لم يكن يبدو كعاصفة.
بل كرفيق هادئ يجلس إلى جوارك كي لا تشعري بالوحدة.
تجولت بين الغرف ببطء.
وكانت صور حسن معلقة على الجدران في كل مكان.
في بعضها كان شابًا يقف وسط المزارع.
وفي أخرى كان أكبر سنًا
يبتسم بين العمال.
وفي صورة صغيرة كان يحتضن كلبًا ضالًا بابتسامة دافئة جعلتني أشعر أنني أعرفه رغم أنني لم ألتقِ به يومًا.
وفي صباح اليوم التالي دخلت إلى المطبخ.
فوجدت مائدة إفطار أُعدت بعناية.
وبجانبها ورقة صغيرة كُتب عليها بخط جميل
مرحبًا بكِ يا أمينة.
هذا البيت كان ينتظر وصولك منذ سنوات
جلست وحدي أمام الطاولة.
لا أولاد.
لا أحفاد.
لا ضجيج.
لا مطالب.
فقط أنا.
تناولت لقمة صغيرة.
ثم امتلأت عيناي بالدموع من جديد.
لكنها لم تكن دموع الحزن نفسها.
كانت دموع امرأة بدأت تشعر أخيرًا أن لها مكانًا في هذا العالم.
مكانًا لا يُطلب منها فيه أن تعطي أكثر مما تملك.
وفي صباح اليوم التالي اصطحبني قيس إلى المزرعة.
وكلما ارتفعت السيارة بين الجبال، ازداد المشهد حولي جمالًا.
امتدت الحقول الخضراء إلى ما لا نهاية.
وتسلل الضباب بين التلال كأنه نهر أبيض هادئ.
وتناثرت البيوت الريفية الصغيرة بين الأشجار.
وكان الناس يلوحون لنا بابتسامات ودودة كلما مررنا بالقرب منهم.
نساء يكنسن أمام بيوتهن.
وأطفال يركضون بين الحقول.
وعمال يبدأون يومهم منذ ساعات الفجر الأولى.
أما أنا فكنت أنظر من نافذة السيارة بصمت.
وأفكر في السنوات الطويلة التي قضيتها بين المستشفيات والصيدليات والفواتير وغرف المرض.
سنوات كاملة نسيت خلالها كيف تبدو الحياة خارج دائرة التعب.
هنا فقط شعرت أن الهواء مختلف.
كان يحمل رائحة الأرض بعد المطر.

رائحة الحياة.
رائحة شيء ما يزال حيًا رغم كل ما مر به.
ثم ظهرت أمامنا لافتة خشبية كبيرة عند مدخل المزرعة.
تباطأت السيارة.
ورفعت عيني إليها.
كان الاسم محفورًا على الخشب بخط واضح
الأخوان
وفي اللحظة التي قرأت فيها الاسم، عادت الصورة القديمة إلى ذهني فورًا.
أبو علي.
وحسن.
واقفان جنبًا إلى جنب أمام منزل خشبي قديم.
وفجأة شعرت أن كل قطعة مفقودة من الحكاية بدأت تستقر في مكانها الصحيح.
ترجلت من السيارة وأنا ما زلت أحدق في المكان من حولي.
وفي تلك اللحظة خرجت امرأة في أواخر الستينيات من عمرها من باب المنزل الرئيسي.
كانت تبتسم وكأنها تعرفني منذ زمن طويل.
اقتربت مني مباشرة واحتضنتني بحرارة.
ثم قالت
كان أبو علي يذكر اسمك دائمًا.
نظرت إليها بدهشة.
كان يتحدث عني هنا؟
ابتسمت وقالت
في كل مرة كان يتصل فيها بالمزرعة أو بالمكتب الإداري، كان يوصينا بأمر واحد.
وما هو؟
قالت
كان يقول عندما تصل أمينة يومًا، لا تعاملوها كضيفة، بل عاملوها كصاحبة الدار.
توقفت الكلمات في حلقي.
صاحبة الدار.
بدت العبارة أكبر من قدرتي على استيعابها.
أنا التي قضيت عمري كله أخدم الآخرين، وأضع نفسي دائمًا في آخر الصف.
تجولت داخل المنزل الكبير.
كانت هناك شرفة واسعة تصطف فيها الكراسي الهزازة.
وطاولة طعام طويلة تكفي لعائلة كاملة.
وأحواض زهور ملونة تزين المكان.
وغرفة نوم أُعدت بعناية وكأن أحدًا كان ينتظر وصولي منذ سنوات.
وفوق
الطاولة الصغيرة بجوار السرير وجدت صورة أخرى.
كان أبو علي فيها بشعره الأبيض الكامل.
يجلس إلى جوار حسن.
وعلى ظهر الصورة تاريخ
تم نسخ الرابط