رواية عُمَر وزوجتهُ الرَّابِعَة البارت الرابع

لمحة نيوز

رواية عُمَر وزوجتهُ الرَّابِعَة البارت الرابع 
بعد رحيل عمر الصاخب وغلقه للباب الحديدي الضخم بعنف هز جدران قصر آل المنشاوي، ساد البهو السفلي هدوء مرعب كهدوء المقابر، لكنه كان الهدوء الذي يسبق العاصفة. انكمش جسد شهد المرتعش، وتلاقت يداها فوق صدرها وهي تستمع لصوت صدى أنفاسها وسط جدران هذا القصر الذي شعرت فجأة أنه تحول إلى سجن ضخم يخنقها. لم تدم تلك اللحظات من الصمت الموحش لأكثر من ثوانٍ معدودة، حتى التفتت شهد ببطء وعيناها الحمراوان من أثر البكاء والخوف تتفحص المكان، لتجد نفسها محاصرة تماماً بحصار من نوع آخر.
كانت تظن أن رحيل عمر سيعطيها هدنة لتستوعب ما حدث مع المأذون وكيف أصبحت في لحظة الزوجة الرابعة لرجل لا يطيق سماع اسمها، لكنها كانت واهمة. كانت الزوجات الثلاث فريدة، ونادين، ويسرا يقفن أعلى السلم الرخامي الواسع، يرمقنها بنظرات حاقدة تقطر سماً وتشفيًا. وبدأن ينزلن درجات السلم ببطء شديد وثقة متعالية، وكأنهن ضباع جائعة تطوق فريستها المكسورة المستضعفة. صوت كعب أحذيتهن الفخمة كان يضرب الأرض الرخامية بقسوة تزيد من

توتر الأجواء وكأنه طبول حرب أعلنت رسمياً ضد هذه الفتاة الريفية البسيطة.
تقدمت فريدة الزوجة الأولى بخطوات متبخترة تشع كبراً وغروراً، وقفت على بعد خطوتين فقط من شهد وربعت ذراعها، ونظرت إلى دموع شهد بسخرية لاذعة وأنفاسها تتصاعد بغيظ مكتوم وقالت بصوت حاد
سمعتي جوزك قالك إيه يا شاطرة؟ قالك على الورق وبس! يعني مالكيش أي قيمة ولا عازة في البيت ده.. الشنطة القماش الصغيرة اللي جيتي بيها من ريحة الفقر والريف برة، هترجعي بيها قريب جداً ومكسورة الجناح كمان. إياكِ تفتكري إنك لما اترميتي في حضنه ليلة إمبار وهو سكران ومش في وعيه ولا حاسس بالدنيا إنك كدة سحبتيه أو لفتي نظره.. عمر بيه المنشاوي مستحيل يبص لأشكال الزبايل دي، أنتِ هنا مجرد غلطة وهيصلحها ويرميكي برة!
ولم تفوت نادين الزوجة الثانية الفرصة لتفريغ غلها الطويل، فتقدمت بحقد وعيناها تتفحصان ملامح شهد البريئة، وضحكت ببرود مستفز يثير الأعصاب، ثم أكملت بلهجة آمرة ومتعالية
مش كدة وبس يا فريدة.. الهانم الفلاحة فاكرة إن لقب الزوجة الرابعة وكتاب المأذون هيدوها حصانة ونفوذ في قصر المنشاوي،
وهي مسكينة متعرفش إنها هنا من اليوم ورايح مجرد خدامة بلقب رسمي ومكتوب في الدفاتر! القصر ده كبير عليكي وعلى اللي خلفوكي، ومن بكرا الصبح أول ما الشمس تطلع، شغل البيت كله من غسيل السجاد وتنظيف الممرات ومسح الرخام هيكون على إيدك وتحت رجلينا، عشان تعرفي مقامك زين وتدفعي تمن الفضيحة والريتش اللي عملتيه لينا ليلة إمبارح قدام الخدم والناس!
أما يسرا الزوجة الثالثة، فكانت الأخطر بينهن؛ لم تصرخ ولم تظهر غضبها علناً، بل اقتربت بهدوء وثعبانية شديدة، وارتسمت على وجهها ابتسامة ماكرة تقطر خبثاً، ثم همست وهي تتظاهر بالصعبانية والشفقة المزيفة
تؤ تؤ.. حرام عليكم يا بنات، سيبوها في حالها، البنت لسه يتيمة وباباها مات من أسبوع وواضح إنها جاهلة ومتعرفش حاجة في ألاعيب السهو والمسكنة.. بس يا خسارة يا شهد، الصدمة الكبيرة ليكي لما تكتشفِ إن عمر عمره ما هيبص في وشك ولا هيعتبرك ست اصلاً! إحنا تلاتة هوانم وفي قمة الجمال والدلال وعايشين معاه في القصر ده زي الأخوات على الورق وبس وراضيين ومجبرين عشان الفلوس والاسم، تفتكري أنتِ بجلبيتك البسيطة دي
اللي هتحركي شعرة فيه أو تخليه يقرب منك؟ أنتِ واهمة يا حبيبتي.. نهايتك هنا هتكون صعبة جداً.
كانت الكلمات المسمومة تنزل على مسمع شهد كالسياط المحمية بالنار، تحرق روحها وتطعن كرامتها. في البداية، شعرت بالانكسار الشديد والرغبة في البكاء والهروب والارتماء على قبر والدها لتشكو له قسوة الدنيا بعد رحيله. ولكن، فجأة وسط هذا الضغط والظلم والتحقير، شعرت بشيء غريب ينتفض في أعماق روحها المكسورة. رنت في أذنها فجأة كلمات والدها الراحل الأخيرة وهو على فراش الموت وهو يمسك يد الحاج كمال ويوصيه عليها بنتي شهد أمانة في رقبتك يا كمال.. ملهاش غيركم في الدنيا، أوعى تخلي حد يكسرها أو ييجي عليها بعد ما أموت.
تذكرت شهد في تلك اللحظة أنها ابنة رجل عزيز النفس، طاهر السيرة، وأنها لم تخطئ ولم تذنب في شيء ليلة أمس؛ فعمر هو من ترنح وسقط عليها بغياب وعيه. فلماذا تقبل أن تكون ملطشة أو ضحية لسلاطة ألسنتهن الشيطانية؟ لماذا تكون سلبية ومستسلمة وتتحمل إهانات لا ناقة لها فيها ولا جمل؟ إن صمتها الآن سيعني ذبحها كل يوم في هذا القصر.
مسحت شهد دموعها فجأة بحركة
سريعة،
تم نسخ الرابط