رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني
رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني
مزق البرق صفحة السماء الحالكة بالعتمة، ورعدت الغمائم گ أسود تتنازع ببعضها. والبعض الآخر يتناوش من بعيد مشجعًا القتال فيما بينهما،!
ومطر الليل يأتي بالدفء أحيانًا! خاصةً بالقلوب التي يملأها الحنين
دقت الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل. وذهب ليل كان مقداره عشرة أعوام بالنسبة له...
وفي ظل السكون بمكتبه، وبزاويةً ما فيه، على بُعد ليس أقل من مترين بين سريرها وبين النافذة الزجاجية المغلقة. الذي يقف ثابتٍ أمامها يتأمل وابل من المطر الذي يضرب النافذة ويحجب عنها حقيقة قسوته...
يقف هو كأنه يجمع شيء تائه به، أو يفرق شوق عنيف غمر روحه منذ رؤياها من جديد، حتى يستطع أن يقف أمامها دون أن يطرف بريق اللهفة بعينيه. ولا أن يترك هذا الميل إليها يعود.
وحلم سريع مر أمام عينيه في أقل من الدقيقة...
وهو يركض إليها في عناق طويل لا فراق فيه. وأعتراف آخير كالحقيقة المثبتة لا ريب فيها...
ولكن يظل الحلم حلم ويُنقل تحت قضاء القدر إلى أن يتحقق.
يا الله. لما كل هذا الحب في قلبه لخائنة؟
ثقيل هذا الحمل من العشق والانتقام...
ودّ لو يصفع صوت بداخله صاح منذ ساعات أنه لن يتذكرها مجددًا، سخرية من الثقة بأنفسنا لهذا الحد!
أين القوة على الرحيل من شيء وهذا الشيء داخل القلب كالأنفاس؟
أغمض عينيه بقوة وبتنهيدة أخذ منها بعض القوة على المواجهة، والقلب يقسم أنه لن يضعف، كاذب يا قلب ويعرف!
كانت ليلى تغمض عينيها في ثباتٍ تام، وبجانبها أبنتها النائمة أيضًا...
كأنها تختبر الغفوة الهادئة بعد غربة نفسية ذاقت مرارها طيلة عشرة أعوام...
ويحدث أن تكون الغربة، غربة من ذاتك. وتبتعد عن كل آمالك وطموحاتك، لتستطع التأقلم
رويدًا رويدًا بدأت تفتح عينيها، ونهض الإدراك مع ايقاظها ببطء، حتى انتفضت من مكانها عندما نطق لسان الرعد مرةً أخرى، وصرخت الطفلة بجانبها ويديها المرتعشتين تبحث عن سبيل ل طيف لمسة من أمها، أخذتها ليلى بين ذراعيها بضمة خاطفة، وبدأت الطفلة تهدأ بالفعل...
ثم ذهب نظرتها اتجاه اليمين، للرجل الضخم الذي يقف عند النافذة، يضع يديه في جيبي بنطاله ويواليها ظهره في سكون، وقفته المعتادة!، الحادة كالسيف.!
لم تنسى شيء يخصه حتى لو طرفة عين، رغم أنها كافحت كل تلك السنوات كي تنساه!
لو أنها كانت تجر أكياس ضخمة من الرمل في قلب الصحراء لكان عليها ارحم مما عانته بتلك السنوات العشر!
خرج اسمه من بين شفتيها رغمًا عن كل شيء قال لها سابقًا توقفي عن ذِكره لكي لا يُختم على روحك بالخيانة وجيه،
فتح عينيه من شروده بتلك اللحظة، لم يستدير مباشرةً، تلذذ بخفاء بصوتها الذي كان يظن أنه لن يسمعه مرةً أخرى، ملأ قلبه من وجودها كي يصدق أنها حقًا هنا، بجانبه!
حبيبة الروح. ليلى
ومعذبته التي هجر قلبه إليها. وسكنها. وتركه هو!
استدار ببطء، لكن القسوة أخذت راحتها على ملامحه من جديد، ونالت من عينيه في لحظة! وضرب الجليد كافة انحاء معالم وجهه...
وضعت ليلى أبنتها التي تاهت في النوم من جديد على الفراش الصغير بغرفة مكتبه، لا تعلم أن كان يستخدمه للكشوفات ام لغرض الاستراحة السريعة.
وربما أرادت ان تهرب بعينيها لبعض الوقت قبل أن تواجهه، فلا شك بأن طيف الماضي سيتحدث الآن.
في اقترابه رغم الاتزان والثبات شيء خفي يركض إليها، ابتلعت ريقها بقوة وجسدها ينتفض عندما نهضت ووقفت على قدميها، وقفت حافية القدمين برداء أسود طويل محتشم، حتى
زادت في الوزن بعض الشيء، امتلأت أنوثة أكثر من ذي قبل رغم شحوب بشرتها قليلًا، ولكن يبقى هذا الشيء الغريب بعينيها الذي يخطف بوادر أي حديث يكاد يقوله، يخطف انتباهه للحظات، يديها الاثنان خاليتان من أي خاتم أو دبلة.
كانت تلك ملاحظاته وهو يقترب. خطوة خطوة، ومع كل خطوة تبتلع ريقها وتحاول أن تنظر له ولكنها تخشي أولًا نفسها، حتى لتلتحق بنظراته الحبيبة.
تبقّى خطوتين، ووقف.!
منطقة أمان للحفاظ على هالته الظاهرة بالسيطرة. حتى لا تكتشف أنه يقاوم شيء ما.
قال أخيرًا بصوت جليدي، هدر دون علو! دون أن يحدث ضجيج. ولكنه قادر أن يجعلها ترتجف أكثر من هدير الرعد التي تسمعه، وقال قصة زي الغصة، كانت قصتنا. لكن مكنتش عارف أنها بالنسبالك هتكون حدوته تحكيها لولادك!
الشاطر وجيه؟ كام مرة ضحكتي لما أفتكرتيني؟ .
صدمت من معرفته بهذا الشيء، ربما أخبرته صغيرتها بالصدفة! فتلك الصغيرة أحبت بطلها الخارق بالقصص وتبحث عنه بكل غريب، ولكنها لن تستطع الافصاح بذلك، قال وجيه هذا وامتلأت عينيه سخرية بنكهة المر ، ونطقت عينان ليلى دمعة قبل الحديث، قبل أن تتفوه بحرف...
ارتعشت شفتيها وهي ترفع رأسها وتنظر لها بكسرة، وهمست قائلة بصوتٍ ضعيف قريب من البكاء ولا مرة افتكرتك وضحكت!، ولا مرة، .
قالت ذلك ورددتها بقصدٍ، نبذة صغيرة عن صدق وحقيقة لابد أن تخفيها، كي تبعده عن لعنة حلّت بها منذ سنوات...
لم تكن ابتسامته بها أي شيء من البهجة، بل مرادف للألم والعذاب ذو الكبرياء الرافض للدموع.
أقترب تلك الخطوة الداعية للخطر بثباتهما الاثنان. وأشتد الغضب بصوته وهو يقول وبنتك عرفتني منين؟ ولا يمكن حد تاني. بنفس الاسم.! .
أطرقت ليلى رأسها
أنقذها دخول الممرضة عندما كاد يتحدث بغلظة. ويغرز قلبها بشوك الاسئلة، دقت الممرضة سريعاً ودلفت للمكتب في الحال وبيدها جهاز لقياس الضغط، نظرت ل ليلى بابتسامة لطيفة وقالت أخيرًا صحيتي! شكلك كنتِ تعبانة وما نمتيش بقالك أيام، .
توجهت بالحديث ل وجيه الذي ابعد عينيه عنهما الاثنان في غضب صامت، وقالت الممرضة له عايزين حضرتك في قسم العناية يا دكتور، أنا قولتلهم زي ما قولتلي، أنك مع حد تبعك، .
نظر وجيه للممرضة بعصبية وود لو يصفعها على ذلك الأفصاح، تعجبت الممرضة من نظراته وابتعدت خطوة بقلق ثم قالت ل ليلى سريعاً الزيارات خلصت للأسف وممنوع البيات في المستشفى للزوار، .
ابتعد وجيه عنهما وتوجه لمكتبه الخشبي، سحب البالطو الأبيض من مشجب مخصص له بجانب المكتب حتى استمع لحديث الممرضة وتظاهر بعدم الاكتراث المسجد بتاع المستشفى برد أوي عليكي. الدنيا بتمطر جامد والأغطية اللي هنا خاصة بالمرضى، شكلك تعبتي من البيات فيه ليلة امبارح! .
كان يرتدي معطفه الأبيض فتوقف عندما انتبه لهذه الجملة!
لماذا تبيت ليلتها هنا ولمن يا ترى؟ أين زوجها؟
لم تسنح له الفرصة ليتابع اسئلته، كانت ليلى تتحدث مع نظرات جانبية خاطفة ومرتبكة ناحيته، وكرهت أن يعرف حاجتها وضعفها بهذه الظروف...
ما كانت أبدًا تلك الفتاة التي هي عليها الآن...
حملت أبنتها بحركة منفعلة وارتدت حذائها بعصبية ثم قالت بصوتٍ غاضب به لمحة بكاء هبات في أي مكان، مش مهم البرد، .
خرجت من مكتبه في الحال، وقف للحظة ينظر اتجاه الباب في ضغطة ساحقة على أسنانه، منذ ثانية واحدة كانت هنا. رأفت به الصدف بهذه الدقائق من لقاء
وخرجت من