رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الرابع
ولكن ما بيدهم شيء يفعلونه، قال وجيه لهم بأنفعال وعصبية زائدة
عايز أعرف دلوقتي مين اللي رافض يسافر؟ .
لم يجيب أحدًا من الشباب رغم العبوس والضيق الظاهر على ملامحهم...
طالت نظرة وجيه عليهم حتى قال جاسر بضيق شديد
أنا هسافر يا عمي، بس لأول مرة بعترف أني مش راضي عن قرارك وإجبارك لينا، أنت مكنتش كده! .
ابعد وجيه نظرته عنهم حتى خرج جاسر من الغرفة بعصبية وتلاه الشباب، قال لوالده ببعض العتاب
سمعت كلامك عشان أرضيك، رغم أني شاكك في نجاح السفرية دي، وحاسس أن المشكلة هتكبر أكتر! .
قال الجد رشدي بحيرة
ما أنت شايف، لو فاتحتهم في موضوع جوازهم من بنات أبني مصطفى أنت اكتر واحد عارف هيبقى رد فعلهم إيه، اللي فات كوم والموضوع ده كوم تاني، مش هقدر عليهم صدقني، هيتحججوا أنهم مايعرفهمش وساعتها انسى أنهم يوافقوا يسافروا يشوفوهم، أنما بعد السفرية دي محدش هيقدر يتكلم، .
قال وجيه بضيق وهو بالأساس لا يحتمل أي حديث
أنا نفذتلك طلبك، بس مش موافق أن واحد فيهم يتجوز واحدة مش عايزها، مش هقدر أجبرهم، أنا أسف، .
رد والده عليه قائلًا بعناد
يمكن خطتي تنجح، أهو اكون عملت اللي أقدر عليه، .
أشباح تركض خلفها، عيون دامية تخنقها وتنشب أظافرها بعنقها،!
وصوت غليظ، كريه الرائحة، يصفعها مرارًا، لتجد فجأة يدين تمتدان لجذبها من تلك الحفرة العميقة العابرة لغياهب الظلمة، حاولت أن تتبين من هو، لا يهم، المهم أنه سينقذها...
ولكنه هو، حبيبها الوحيد!
هتفت بعلو صوتها وبصراخ، وجيه.
جذبها بيديه للأعلى حتى أخذها إلى صدره بعناق طويل أنساها كل سنوات العذاب والدموع...
لتنتفض ليلى من فراشها بالمشفى، وهي تهتف باسمه، لتجد الممرضة منى بجوارها وتنظر لها بتعجب!
وآخر ما تتذكر، أنها كانت تبحث عن أبنتها. وفجأة وجدتها أمامها،!
رددت بخفوت وبصوت متقطع وحبيبات العرق تنزلق من جبهتها وتلهث بأنفاس متسارعة
وجيه، أنا شوفته، أنا متأكدة،! لا مش بحلم، لا، .
وفجأة وضعت يدها على وجهها وبكت بقوة، لتردد بتساؤل
بنتي فين؟ .
استطاعت الممرضة تمييز الكلمات أخيرًا وقالت وهي تهم بمغادرة الغرفة
هروح أجيبهالك، هي نامت في مكتب دكتور وجيه، .
غادرت الممرضة الغرفة وتسمر ليلى في فراشها، لتبتسم وهي تبكي، وتردد بنبرة تحمل من العشق والأحتياج له
وجيه، .
تجمع الشباب الأربعة في أحد غرف المشفى، بمعاطفهم الطبية البيضاء...
أشار جاسر للثلاث شباب من أبناء عائلته وقال بسخرية
أحنا مش بنات عشان يتفرض علينا كل شوية وضع مش قابلينه! .
قال رعد بمنطقية
موضوع القافلة أنت مكنتش رافضه أصلًا يا جاسر! أشمعنى لما عمي قاله رفضت! .
رد جاسر بغيظ
هتعملي فيها ديكارت هعملك فيها واكل ناسه وهبلعك دلوقتي، خرج علم النفس من تفسيرك لتصرفاتنا مش ناقصك! .
قال آسر بهدوء
أحنا نوافق المرادي، ليه بقا؟
عشان عمي اتدخل والموضوع شكله صعب، نوافق ولما نرجع نعمل واقفة ونتحد، .
هز يوسف رأسه بموافقة
الرأي ده صح، .
رمقه جاسر بغيظ وقال
آه وأنت فارق معاك إيه!، ما أنت مش وراك بنات تسأل عليك وتوحشها وتوحشك يا متوحد! .
كتم رعد ضحكته وقال بخبث
سفرهم معانا، هنفرح كلنا، .
تبدلت ملامج جاسر لابتسامة ماكرة وقال
بقى الكيكات دول هيستحملوا حر الريف؟ مش هيهونوا على قلبي، .
قال يوسف بتأثر
كيكات؟ أذن فليسافروا معنا، .
رد جاسر وهو ينظر له بسخرية
أنت هيليق عليك جو الريف أوي، بط وفراخ وطور هنسيبوه في الخضرة، .
نظر رعد وآسر إلى وجه يوسف الذي امتلأ بهجة من تخيل كم الطعام اللذيذ فأنفجرا ضحكاً...
وعند الغروب...
بغرفته...
يقف أمام باب الشرفة الزجاجي المغلق، يشاهد قطرات المطر النازف، إلى أين يأخذه هذا العشق؟
أتخذ قرار وقد كان، سيبتعد عنها قدر المستطاع، حتى وأن ترك عمله بالمشفى بالوقت الحالي.!
هي من قررت ذلك، أخبرته يبتعد!
جرح كبريائه لمجرد كذبة قالها، أنها نزوة؟
فماذا به؟، وهو كان لعبة بين يديها!
صدح صوت هاتفه الخاص، أخذه من على طاولة قريبة منه وأجاب، ليجد الممرضة منى تُهاتفه
ليلى بتسأل عن حضرتك يا دكتور، مصممة تشوفك.! .
تنهد بعمق، تسخر منه يا ترى!
أم تريد ربح جولة جديدة وتنال من كبريائه!
ربما كل ما فعلته كان مجرد، لُعبة!
مريضة بإرضاء غرورها والنيل من قلبه.!
قال بحسم
أنا مسافر كام يوم يا منى، دكتور العناية رفض خروج والدها، قوليلها، .
ردت منى قائلة
قولتلها وهي ما قالتش حاجة، بس مش عارفة عايزة حضرتك في إيه.؟ .
شرد وجيه قليلًا ثم قال رغما عن هذا الشوق العنيف بقلبه
قوليلها سافر، .
انتهى الأتصال، نظر للهاتف لدقائق ثم أجرى اتصال بعد تردد كبير، لتجيب چيهان
إيه يا وجيه طمني عليك، على ما وصلت مكنتش موجود زي عادتك في المستشفى؟ .
صمت حتى أنهت حديثها ثم قال
چيهان، أنا موافق نرجع لبعض، .
تلقت جيهان منه الخبر بدموع فرحة ودهشة، ولكنها تمالكت بعض الشيء وقالت
هنتكلم لما نتقابل. ولا تحب نتقابل برا المستشفى احسن؟ .
كلاهما سواء بالنسبة له فقال بضيق
اللي تختاريه، .
قالت جيهان بابتسامة واسعة
نتقابل برا، في المطعم اللي كنا بنروحه زمان، إيه رأيك بكرة الساعة 9 م؟ .
وافق وجيه سريعًا وانتهى الأتصال، لم ينتابه أي لحظات ندم...
وشعر كأنه يعقابها بهذا القرار، واثبات كاذب بصحة نكرانه في نسيانها...
ولكن الحقيقة أنه يعاقب نفسه أكثر، لأنه جدًا يحبها.!
وعند الليل وهبات الهواء البارد...
في أحد القرى بالريف...
قرية كانت تُحاط بالأراضي الخضر والأشجار، ورغم ذلك ينتشر فيها الأمية وتقل فيها الأمكانات خاصةً الطبية والعلمية.
تبقى على تراث الريف القديم في ضواحيها وروابضها...
وهناك عرس ريفي لأحد فتيات القرية ويلتفن حوله الأهل والجيران والصغار الذي يقفزون فرحاً بعجين الحنة وكأنهم ربحوا جائزة، سعادتهم صافية، نقية...
ضجت أغاني الأعراس من أفواه الفتيات والدق على الدفوف، وهم يلتفون حول العروس بمنزلها...
هتفت سما بصوتٍ ممزوج بال شقاوة والضحك وصاحت عاليًا بغناء
أهو جالك يابت، ريح بالك يابت.
اطبخيله الصبح بطة، واطبخيله العصر بطة، وكتري يابت الشطة وأهو جالك يا بت.
خدناها خدناها...
خدناها بالملايين. وهما مكنوش راضيين وعشانها بعنا الفدادين الحلوة اللي كسبناها، .
تمايلت بضحكات عالية وهي تضرب بيدها اليمنى جانب رأسها وتضرب بيدها اليسرى جانبها الأيسر...
جرّتها شقيقتها حميدة بضحكة تكتمها وهي تهمس لها بتحذير
خالك عبد السميع باعتلنا يا اللي تنشكي. اتأخرنا، .
تملصت منها سما وقالت بضحكة واثقة
بوجب مع البت نحمده، تعالي تعالي، خالك زمناته قاعد مع مرته يتعشوا محشي، خالك بيعشق المحشي، .
أتت جميلة ورضوى وهم يكتمون ضحكاتهم من تلك الفتاة التي تصغرهم، قالت جميلة بمرح
يلا يا سمكة على الدار، المرة اللي فاتت المندرة كانت هتتسرق واحنا في الغيط، .
ضحكت سما عاليًا وقالت
حرامي معفن بصحيح، حد يسرق المخدات والتليفزيون اللي بيكح ده! طب كان خد
ولا العرة أبنها، نعناعة، ولا وجب معانا وسرق خيبتنا دي بدل ما احنا لا طايلين علم ولا جهل جاتنا ستين خيبة. .
لكمها الفتيات على ذراعيها بضحكات عالية ثم خرجوا الأربعة من العرس، ساروا بالطريق بملابسهن المحتشمة الواسعة التي كانت عبارة عن عباءة سوداء وعليها
حجاب ملون يبرق تحت ضوء القمر...
أخرجت سما من جيب ردائها حبات من اللب ثم وضعت بيد كل فتاة القليل وتركت لها البقية وقالت بحماس
أزأزي يابت منك ليها، أحنا على لحم بطننا من العصرية، .
قالت جميلة بسخرية
ما أنتِ اللي نازلة رقص وغنا ولا أكنه فرحك يا هبلة! .
ردت سما بضحكة وهي تهمس لهم
قال وأنا اللي عمالة أقول كتري يابت الشطة، ده العريس شايل اللوز وعنده اشتباه ديدان، بس طيب .
توالت ضحكات الفتيات عاليًا لتضيف سما بضحكتها ذات الصوت الرفيع
ولا شوفتي مرات أبوها؟ وليه عقربة، عايزة تبوظ الجوازة.
قالت رضوى بشهقة وذهول
يا مصيبتي، عملت إيه؟ .
أجابت سما بغيظ
الولية أقولها جوعت يا خالة أنا والبنات تروح تجيبلي طبق نابت وشقتين عيش ومخلل!، فوتت عليا المحشي بنت عبراضي الفاضي، .
ضحك الفتيات مرةً أخرى ثم ساروا بالطريق إلى منزل خالهم.
العمدة عبد السميع.
قالت حميدة وهي تطرح طرف حجابها للأسفل بعدما تدلى قليلًا
عندي أحساس كده أن في حاجة هتحصل قريب، مش عارفة بقالي شهور حاسة بكده. .
قالت سما بابتسامة وهي تمر حبة لب بين أسنانها
يارب نتجوز، أهو الاقي فرح أغني فيه وحد أقوله يا سيد الناس يا عترة، .
قالت رضوى بغيظ وهي تضرب بكوعها بذراع سما
ملهوفة أوي تسبينا! .
هزت سما رأسها بتأكيد وقالت بضحكة
بصراحة آه، عايزة اصطبح بخلقة تفتح النفس بقا، .
ردت جميلة بسخرية
بكرة نشوف، آخر تريقتك على خلق الله هتكون إيه! .
أشارت سما لها لتصمت وقالت وهي تكتم ضحكتها
بت، أنتِ بالذات تسكتي، ده أنا بصطبح بشعرك المنكوش اللي شبه خارطة الطريق! و نص ساعة عبال ما تفتكري أنتِ مين واحنا مين...
ولا البغلة اللي اسمها رضوى، درفيل بيتقلب طول الليل لأ وبجحة بتنكر!، ولا الخالة حميدة بقا، دي الشبح اللي فينا، تفضل طول الليل تمشي وهي نايمة واللي يوقفها تنزل فيه ضرب ومش حاسة، بصراحة العيشة معاكم معفنة، .
قالت حميدة بعصبية
والبشمهندسة سما بتعمل إيه بقا؟ .
رفعت سما
بفضل ادعي طول الليل أغور من وشكوا لبيت القمر اللي هتجوزه، ما هو لازم يبقى والا هتولعوا فيا تريقة وتأليس يا عرر، .
يتبع