حين اكتشف الأب أن ابنته ليست صدفه

لمحة نيوز

البنت الصغيرة دخلت مطعم لا مورينو لوحدها هدومها مبلولة من مطر إسكندرية التقيل، وحاضنة شنطة قماش على صدرها كأنها آخر حاجة مطمّناها في الدنيا.
ماكانتش معدية الست سنين.
أصغر بكتير من إنها تقف لوحدها وسط مطعم مليان رجال أعمال وأغنيا وناس صوتهم واطي بس فلوسهم بتتكلم.
وأهدى بكتير من طفلة مرعوبة بالشكل ده.
المكان كله كان زحمة. نور الشموع بيترقص فوق الكاسات الكريستال، وعازف كمان عجوز قاعد في الركن بيعزف بهدوء يخليك تنسى المطر اللي بيخبط في الشبابيك.
وفجأة
البنت وقفت قدام أخطر راجل في المكان كله.
لو سمحت يا أنكل ممكن أقعد هنا لحد ما ماما ترجع؟
عمر الدمنهوري رفع عينه ببطء من طبق الستيك اللي قدامه واللي ما لمسوش من أكتر من نص ساعة.
رجالة أكبر من البنت دي كانوا بيترعشوا أول ما يبصلهم.
واسمه لوحده كان كفاية يخلي الناس توطي صوتها في القاهرة كلها.
عمر الدمنهوري.
الراجل اللي ورث النفوذ والسلاح والرجالة والدم وهو لسه ماكملش التلاتين.
لكن الغريب
إنه أول ما شاف الطفلة دي، بشعرها المبلول وخدودها الحمرا من السقعة
ماشافش خطر.
شاف طفلة بتحاول بكل قوتها ما تعيطش.
قال بصوت هادي بس حاد
مافيش ترابيزة تانية فاضية؟
البنت بصت حوالين المكان، وبعدين رجعتله بعينيها الرمادي المليانة خوف.
لأ يا أنكل ماما قالتلي أستنى جوه عشان البرد. والله هبقى هادية خالص.
قبل ما يرد، جرسونة قربت بسرعة وقالت بابتسامة

مصطنعة
حبيبتي مينفعش تقفي هنا استني عند الباب أحسن.
البنت ماجادلتش.
بس حضنت الشنطة أكتر.
مش هعمل دوشة حضرتكوا حتى مش هتحسوا إني موجودة.
ورا عمر مباشرة، اتحرك راجل ضخم كان واقف زي الضل.
سيف.
دراعه اليمين وأكتر واحد بيعرف يقرأ الخطر قبل ما يحصل.
قرب منه وهمس
أبعدها يا باشا وأنا أتصرف.
عمر رفع صباع واحد بس.
سيبها.
سيف سكت لكن عينه ثبتت على البنت للحظة طويلة.
طويلة زيادة عن اللزوم.
كأنه شاف حاجة صدمته.
أو
عرفها.
لكن عمر ماخدش باله.
ولا البنت.
عمر شد الكرسي اللي قدامه بهدوء.
تعالي اقعدي.
البنت رمشت كأنها مش مصدقة، وبعدها قعدت بحذر شديد.
وحطت الشنطة فوق رجلها وإيديها الصغيرة فوقها كأنها بتحمي سر خطير.
طريقة قعدتها وجعت قلبه بدون سبب.
طفلة متربية طول عمرها إنها ما تزعجش حد وما تاخدش مساحة.
اسمك إيه؟
سألها بصوت أهدى من اللي متعود عليه.
ليلى يا أنكل ليلى الشاذلي.
الشاذلي.
الاسم ضربه في صدره زي طلقة قديمة.
عمر سكت فجأة.
السكون اللي بيحصل لما الماضي يخبط على باب كنت فاكر إنك قفلته للأبد.
أكلتي؟
لأ كنت هستنى ماما.
رفع إيده فورًا.
هاتوا فراخ مشوية وبطاطس بيوريه وكوباية لبن دافي.
عينين ليلى وسعوا بصدمة بريئة.
بس ماما هتحاسب حضرتك أول ما تيجي وعد.
ولأول مرة من سنين
طرف شفايف عمر اتحرك بابتسامة خفيفة.
خليها عليا.
ليلى بدأت تاكل بهدوء غريب كل لقمة صغيرة، وكأنها خايفة الأكل يخلص أو حد
يغير رأيه.
وكل شوية تبص ناحية الباب.
وعمر
كان بيراقبها من غير ما يبان.
نفس العيون.
نفس اللون الرمادي المايل للأزرق.
مش نفس عيون ياسمين بالظبط
لكن قريب أوي.
قريب بشكل مرعب.
إحساس تلج زحف جوه صدره.
مش خوف.
لسه لأ.
ده إحساس أسوأ
إحساس إن قلبه عرف الحقيقة قبل عقله.
وفجأة
باب المطعم اتفتح بعنف مع الهوا والمطر.
ووش ليلى نور كله.
ماما!
بنت شابة دخلت بسرعة لابسة بالطو بيج غرقان مية، وشعرها البني مفكوك حوالين وشها من المطر، وعينيها بتلف في المكان بجنون أم خايفة على بنتها.
ولما شافت ليلى
كل جسمها ارتاح مرة واحدة.
جريت عليها بسرعة، ونزلت على ركبتها قدام الكرسي، تمسك وشها وإيديها وكتافها كأنها بتتأكد إنها لسه بخير.
إنتي كويسة؟ حد ضايقك؟
ليلى ابتسمت بحماس طفولي، وأشارت ناحية عمر.
الأنكل ده خلاني أقعد معاه وجابلي أكل كمان.
الأم رفعت عينيها تشكره
لكن أول ما عيونها وقعت على وش عمر الدمنهوري
اللون اختفى من وشها بالكامل.
وإيده هو اتجمدت فوق الطاولة.
لأن الست اللي واقفة قدامه
ماكانتوش غريبة.
دي ياسمين.
الحب الوحيد اللي اختفى من حياته من سبع سنين
في الليلة اللي اتقاله فيها إنها ماتت.
ياسمين اتجمدت مكانها.
كأن الزمن رجع بيهم سبع سنين لورا في ثانية واحدة.
المطعم كله اختفى من حواليهم.
لا صوت المطر ولا الموسيقى ولا الناس.
بس عيون عمر وهي متعلقة بيها بصدمة قاتلة.
همس باسمها كأنه مش مصدق إن
الحروف لسه عايشة على لسانه
ياسمين؟
إيدها شدت ليلى بسرعة .
غريزة أم خافت فجأة.
وخوف ست دفنت ماضيها بإيديها.
ليلى يلا.
لكن البنت بصتلها باستغراب.
بس يا ماما
دلوقتي.
الصوت طلع حاد زيادة عن اللزوم.
وعمر قام ببطء من مكانه.
الناس حواليه سكتت فورًا أول ما وقف.
حتى العاملين في المطعم وقفوا حركتهم تلقائي.
الهيبة اللي حواليه كانت مرعبة.
لكن ياسمين ماخافتش منه زمان
وده اللي خلّى قلبه يوجعه أكتر.
عينيه نزلوا ببطء على ليلى.
ثم رجعوا لياسمين.
وبصوت واطي جدًا قال
دي بنت مين؟
سؤال بسيط
لكن وقعُه كان زي السكينة.
ياسمين بلعت ريقها، وإيديها شدت على كتف ليلى.
ملكش دعوة.
سيف اتحرك فورًا خطوة لقدام.
احترمي نفسك وإنتِ بتكلمي الباشا.
عمر رفع إيده من غير ما يبصله.
ارجع يا سيف.
لكن عينه ما سابتش ياسمين.
ولا البنت.
خصوصًا البنت.
لأن كل ما فيها كان بيصرخ بحاجة واحدة
إنها منه.
نفس العينين.
نفس طريقة رفع الحاجب اليمين.
حتى الطريقة اللي ضمت بيها الشنطة لصدرها كانت شبهه وهو صغير بطريقة مستفزة.
عمر قرب خطوة.
ياسمين رجعت خطوة فورًا.
الخوف في عينيها كان حقيقي.
وده استفزه.
إنتِ خايفة مني ليه؟
ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة.
عشان أنت آخر مرة شوفتك فيها كان في ناس بتموت.
المكان سكت أكتر.
وسيف شد فكه بعصبية.
أما عمر
فوشه بقى جامد بشكل مرعب.
سبع سنين.
سبع سنين بيدوّر على جثة مالهاش أثر.
على خيانة قالوله إنها حصلت.

على ست اختفت في ليلة واحدة بعد ما
اتحرقت عربية على طريق الساحل واتقال إن جثتها جواها.
وطلعوا كلهم كدابين.
مين قالك تهربي؟
هربت؟
بصتله بصدمة وغضب.
أنا صحيت في
تم نسخ الرابط