كنت بموت في غرفة العمليات

لمحة نيوز

كنت بموت في غرفة العمليات، والدكتور المشهور اللي دخل ينقذني في آخر لحظة كان هو نفس الراجل اللي رماني في الشارع تحت المطر من تسع شهور، طليقي، بصلي بقرف وقالي أوعي تكوني فاكرة إنك هتلزقي فيا عيل نغل عشان تعيشي على قفي اسم عيلتي، كان فاكرني خنته، وفجأة الممرضة صرخت الحقنا يا دكتور النبض بيقع والست بتموت!، بس قبل ما غيابي عن الوعي يسرقني، همست في ودنه بكلمة واحدة خلته يرجع لورا مذهول، والرعب والندم ماليين عينه.
لو الواد ده مش ابني متفتكريش إني هعملك العملية عشان تلفي وتدوري عليا بعدين بقضايا نفقة، ده أول كلام قاله الدكتور شريف الهواري لما دخل أوضة العمليات المجهزة كدة وكدة في المستشفى الحكومي اللي كنت بنزف فيها، لحد اللحظة دي كنت فاكرة إن أكبر وجع عشته في حياتي هو ليلة ما طردني من شقته في عز طوبة بشنطة هدوم مقطوعة وأنا حامل ومعيش مليم، بس لما شفته واقف فوق راسي بالبالطو الأبيض والبلوزة المعقمة وبنفس النظرة الباردة اللي رماني بيها، حسيت بحاجة جوة قلبي اتقسمت نصين، قعدت أفرك في ملاية السرير بتاعة مستشفى أم المصريين في الجيزة وأنا بترجاه وأقوله بلاش أنت.. أبوس إيدك بلاش أنت، الممرضة الغلبانة اللي واقفة جنبي وبتابع المحلول بكتف

مهدود بصتلي بقلة حيلة وقالتلي يا مدام لوسيندا مفيش دكاترة طوارئ صاحيين دلوقتي خالص، ضغطك في الأرض والبيبي بيموت جوة، الدكتور شريف ده أكبر استشاري جراحة هنا وهو الوحيد اللي هيعرف يلحقك، طبعاً هو الكبير، شريف طول عمره كان واجهة عيلة الهواري، جراح ومستشفيات استثمارية وابن بار لست الحبايب الحاجة كريمة، الست اللي كانت بتمسك السبحة الخشب في إيد وبتدبح بالثانية وهي مبتسمة، شريف مسك التذكرة بتاعتي وهو مش واخد باله في الأول، قرأ بسرعة ووشه قالب، ولما رفع عينه ووقعت في عيني، الدنيا لفت بيه وقالي لوسيندا منصور! كأن اسمي وسخ بق بكلمتين، وأنا بنفخ عشان أخد نفسي والشرط بتاعة المونيتور عمالة تزمر وتسرع، قولتله بآخر نفس فيا اعمل شغلك وسيبك مني.. انقذ بنتي وبس، ملامحه اتهزت وقالي بنتك؟ وبص لبطني المنفوخة ووشي اللي بقى شبه الأموات وإيدي اللي بتترعش، وقالي تسع شهور فص ملح وذاب وجاية تولدي في مستشفيتي بالذات؟ لعباها صح، الغل حرق دمي أكتر من وجع الطلق وقولتله أنا مسبتش البيت.. أنت اللي رميتني في الشارع، والليلادي رجعتلي تاني زي السكينة في ضلوعي، أنا يومها كنت لاقية ورق متداري في دفاتر جمعية عيلة الهواري الخيرية، فواتير مضروبة، وعمليات وهمية على
قفا الغلابة، وتبرعات رايحة لشركات مجهولة باسم الست والدتك، رحت للمحامي بتاعه في وسط البلد عشان أديله المستندات دي عشان يلحقه، ففي حد صورنا من بعيد، والحاجة كريمة أخدت الصور وورتهاله على عشا العيلة وقعدت تعيط دموع تماسيح وتقوله شوف المحترمة اللي متجوزها مقضياها مع مين في اللوكاندات، حاولت أفهمه وأقوله إني حامل وفيه مصيبة بنقع فيها بس هو ضحك بمرارة وقالي متجوزتش أنا من الشارع عشان تلزقي فيا ابن حرام تعيشي بيه على اسمي، وفتح الباب ورماني في المطر، ودلوقتي بنتي بتموت ومفيش غيره، وفجأة الممرضة صرخت يا دكتور نبض الجنين نزل لتمانين.. بنفقدها! شريف اتحول في ثانية لدكتور جراح ونسى إنه طليقي، وزعق وقال قيصري فوراً.. جهزوا أوضة اتنين وكيسين دم سالب وسرعوا ايدكم، السرير طار بيا في الممر واللمض النيون فوقيا بتجري زي البرق، مديت إيدي ومسكت معصم إيده وقولتله يا شريف لو كان فيه بينا أي عيش وملح.. احمي بنتي، بلع ريقه وصوته اتهز لأول مرة وقالي مش هسيبها تموت، جوة الأوضة حطوا ماسك البنج على وشي وريحة المستشفى خنقتني، شريف قرب مني وقالي لوسيندا امسكي نفسك، بصيتله بدموع وقولتله مبقاش ليك حق تطلب مني حاجة، وضلمة غريبة بدأت تسحبني، وبقيت سامع طقطقة
حديد وكلام سريع وخطوات بتجري، وبعدها هس.. سكوت يخوف، سألت بصوت طالع بالعافية هي مبتعيطش ليه؟ بنتي مبتصرخش ليه؟ محدش رد عليا، شريف كان واقف فوق بطني المفتوحة وكل هدومه دم، وسايب كل حاجة وبيبص على الترابيزة اللي الممرضات متجمعين حواليها وفيه لفة صغيرة مش بتهتز، شريف صوته شرخ وهو بيقول اتنفسي يا حبيبتي.. اتنفسي عشان خاطري، ثواني مرت كأنها سنين، وفجأة طلع صوت صريخ مكتوم.. حامي وعالي وصاحي، دموعي نزلت بوجع هد حيلي، والممرضة قالتلي دي بنوتة زي القمر يا مدام لوسيندا، وعايشة وزي الفل، قربوها مني وهي ملفوفة في حتة قماش كستور بمبي، كانت حتة لحمة حمراء وصغيرة، بس لما القماشة اتململت من على كتفها الشمال، كل اللي واقفين سكتوا وصنموا لما شافوا الوحمة، بقعة غامقة واضحة على شكل نجمة، نفس الوحمة اللي عند شريف تحت ترقوته، ونفس اللي ورثها من أبوه وجده، شريف رجع لورا خطوتين كأنه اتضرب بطلقة في صدره، وخبط صينية الأدوات الجراحية وكل الحديد وقع على الأرض برنة عالية، همست وقولتله سميتها نور، فتح بقه وهو مكسور وضايع، وقبل ما يمد إيده عشان يلمسها، جهاز الإنذار صفر بصوت عالي ومرعب، والممرضة صرخت دي بتنزف جامد مننا.. نزيف حاد، شريف رمى نفسه عليا وزعق
تم نسخ الرابط