في ليلة
في ليلة الدخلة، مراتي رفضت تكمّل الجواز مرة ورا مرة. استغربت وشكيت، فرفعت البطانية...
بس اللي شُفته رعبني لدرجة إني ما قدرتش أعمل حاجة غير إني ركعت وأتوسلت إن ربنا يسامحني...!!!
الفرح لسه مخلص، والعيلتين غرقونا بالبركات. كنت لسه مصدّع شوية من النبيذ ومبسوط بفرحة اليوم.
الست اللي لسه متجوزها دي كانت طيبة، ومحتشمة، ورقيقة؛ الكل قال إني محظوظ إنها بقت مراتي.
المفروض إن ليلة الدخلة دي تبقى أحلى وأقدس لحظة في حياتنا،
بس هي كانت بتتصرف بغرابة. من ساعة ما دخلنا الأوضة، وهي قاعدة ساكتة على طرف السرير،
شبكة إيديها في بعض وبتترعش. قلت يمكن مكسوفة، فحاولت أهزر معاها بهدوء عشان أطمنها.
بس كل ما أقرب، كل ما تبعد عني أكتر، ورفضت رفض قاطع إني ألمسها.
الوقت فات، وصبري بدأ ينفد...
حسيت بضيق وعصبية، وسؤال مزعج رن في دماغي:
“هي مخبية عني حاجة؟”
الليل دخل، ومبقاش في الأوضة غير نور أصفر خفيف من الأباجورة.
هي فضلت متكوّرة تحت البطاطين، بتترعش.
قربت منها، وحطيت إيدي على كتفها وسألت بالراحة:
— "مالك؟ إحنا دلوقتي جوز ومراته، مش واثقة فيا ولا إيه؟"
عينيها كانت مليانة دموع، ما قالتش ولا كلمة، وشدت البطانية أكتر.
سكوتها خلى قلبي يدق جامد، وفي لحظة غضب وفضول، قررت أشيل البطانية.
بس اللحظة اللي عملت فيها كده... اللي ظهر قدامي خلى جسمي كله يتجمد.
شُفت جرح طويل غائر، ممتد من فوق صدرها لحد بطنها، كأنه حدّ فتحها يومًا وأقفلها بإيده!
وقفت مذهول... مش قادر أتنفس، والدموع نزلت من عيني من غير ما أحس.
بصّتلي بخوف، وبصوت مكسور قالت:
— "ما كنتش عايزة تعرف كده... كنت نفسي أقولك بعدين... بس خفت تسيبني."
سألتها وأنا صوتي بيرتعش:
— "مين عمل فيك كده؟!"
سكتت لحظة، وبعدين قالت كلام هزّني من جوّا:
— "الناس اللي كنت فاكرهم أهلي... اللي كنت بسمِّيهم إخواتي."
اتنهدت وهي بتكمل:
— "كنت عندي ١٣ سنة... يومها رجعت من المدرسة متأخرة شوية، الجو كان بيليل وأنا ماشية في شارع ضلمة جنب بيتنا. سمعت صوت عربية بتقرب، وفجأة حد شدّني جواها... وبعدها كل حاجة بقت سودة.
فُقت بعد كام ساعة في المستشفى، جسمي كله كان وجع، وبطني فيها جرح كبير من عملية... قالولي إنهم لقوني مرمية في الأرض ونزفت كتير، والدكاترة اضطروا يعملوا عملية عشان ينقذوني.
الناس اتكلمت وقالوا اللي نفسهم فيه... محدش سمعني، محدش صدقني.
بدل ما ياخدوا بإيدي، رموني بكلامهم. وأهلي خافوا من كلام الناس، فخبّوني عن الكل سنين، لحد ما بقيت مجرد ظل لنفسي."
رفعت وشها ليّ وقالت:
— "اتعلمت أعيش من غير ثقة، من غير حلم... لحد ما جيت أنت، وافتكرت إن ربنا يمكن يبعتلي فرصة أبدأ من جديد."
قعدت جنبها، وأنا حاسس إن الدنيا بتلف بيا.
كل اللي كنت شايفه سر غريب... طلع وجع عمرها كله.
مدّيت إيدي بهدوء ومسكت إيدها، كانت باردة زي التلج.
قلت لها بصوت واطي:
— "أنا آسف إن الدنيا ظلمتك بالشكل ده، وآسف أكتر إني كنت هزود على وجعك."
فضلنا ساكتين، بس كان في سكون غريب… سكون راحة بعد عاصفة.
من الليلة دي بدأت حكايتنا من جديد.
قررت أكون سندها، مش مجرد جوزها.
خدتها لطبيب نفسي بهدوء، وبدأت جلسات علاج طويلة،
كانت بتخاف في الأول، بس كل مرة كانت ترجعلي بابتسامة صغيرة،
ابتسامة بتقول: أنا لسه بخير.
بدأت تخرج، وتشوف الناس، وترجع تثق في نفسها واحدة واحدة.
كنت كل يوم أقولها:
— "اللي فات صفحة اتحرقت، واللي جاي إحنا اللي هنكتبه بإيدينا."
وفي يوم، وهي بتحضّر الأكل، قالتلي بابتسامة هادية:
— "كنت فاكرة عمري ما هضحك تاني… بس شكلي نسيت إزاي كنت بضحك زمان."
ضحكت أنا كمان، وقلت لها:
— "مش نسيتي، إنتي بتتعلمي تاني… تتعلمي تعيشي."
كبر حبنا، وكبر معاه احترامنا لبعض.
ومع مرور السنين، بقيت أشوف الجرح اللي في بطنها مش كندبة ،
لكن علامة على نجاتها… شهادة إنها حاربت وقدرت تعيش.
النهاردة، لما بشوفها بتضحك وسط أولادنا،
بعرف إن ربنا ما جمعناش صدفة،
هو اختارني أكون شاهد على معجزته فيها.
دي ما كانتش “ليلة دخلة” زي باقي الليالي…
دي كانت ليلة غفران — ليلة ربنا امتحن فيها ضميري،
وشهد فيها على إن الرحمة أقوى من الشهوة،
وإن الحب الحقيقي يبدأ من وجع… بيتغسل بالصدق، ويتوّج بالغفران.
العِبرة:
مش كل جرح عار، ومش كل خوف ضعف.
في ناس اتكسرت، بس ما استسلمتش…
وفي قلوب ربنا اختار ليها حدّ يداويها مش يزيد وجعها.
ارفقوا بالناس… فكل شخص ساكت، جواه حكاية لو عرفتوها… هتسكتوا أنتم ألف مرة قبل ما تحكموا عليه.
تمت