الفصل_الثالث جوارى بلا أغلال بقلم إيثار محفوظ
الفصل_الثالث
جوارى_بلا_أغلال
بقلم إيثار_محفوظ
دلفت أم الرجال إلى القاعة الرئيسية بالقصر الكبير ... سيدة مسنة تبلغ من العمر سبعون عاماً، نحيلة ترتدى السواد وتظهر من حجابها بضع من الشعيرات التي تتلون باللون الفضي ليدل على ان المنقضي من عمرها ليس بالقليل، تتكأ إلى عصاه ... وقد انحنى عمودها الفقري فتضطر رغماً عنها أن تنظر للأرض ولكنها تأبى دون ذلك فترفع رأسها اعتداداً بذاتها ورغم الألم تتحامل على نفسها.
لم تكن بأحسن حالا من ولدها ... ورث عنها الشدة والقسوة ... علمته القسوة والجفاء منذ نعومة أظفاره، ورغم أنها امرأة إلا انها كانت تدير شئون العائلة بعد موت زوجها ... دلفت إلى القاعة ليقف الجميع، الأم وبناتها الاثنتان خديجة وفاطمة، اختلست نظرات متتالية إليهم ثم أشارت بيديها اليسرى ليجلسوا فما كان منهم إلا أن تقدمن ليقبلن يديها في أدب واستحياء لتقول الأم
صباح الخير يا عمة.
نظرت لها نظرة ثاقبة وهي تقول
قولي مسا الخير يا سعاد ...
ثم ضربت الأرض بعصاها واتبعت دون أن تنظر لها
قولي يا سعاد .... الفروجات ماتوا؟
بهتت ولم تنطق ألجمت الصدمة لسانها لتقول
ماتوا
ثم تقدمت خطوة وهي تشير بيدها ... عمة
نهرتها قائلة بحزم
شوفي يا بتي إذا ها تكذبي ها اقطع لسانك ... الفروجات ماتوا ورميتيهم بسطح بيت ناصر
ارتعدت أوصالها فتركتها أم الرجال لتطالع حفيداتها قائلة
ما شاء الله ... عرائس ثم ضاقت حدقتاها قائلة
فرحك قريب يا خديجة انتي وسعد
اقتربت منها خديجة في خطوات سريعة لتقبل يدها وهي تقول بعينين دامعتين
جدة ... ابوس يدك ... أكمل تعليمي .... مجموعي كبير يا جدتي.
نظرت لها أم الرجال ملياً ... كانت تحب خديجة ورغم أنها لا تعترف بالمشاعر إلا ان خديجة كانت تحرك لديها الكثير منها لتقول وقد طأطأت رأسها للتفكير
بطلي يا بت بكا ... واه ... علام ايه؟
انتحبت وهي تقول
جدة استغيث بيكي ... انجديني
أجابتها
تتجوزي وتكملي علام ... حكمي بيصير على الكل، ثم ضربت بعصاها الأرض، وما فيش رجعة فيه ...
تهللت أساريرها ورضخت لأن تأد قلبها في مقابل أن تحيي حلماً طالماً انتظرته لسنوات طوال.
تمت مراسم الخطبة وعقد القران ما بين مشاعر عدة تتنازع خديجة ضعف وقهر واستسلام وخوف ... نعم الخوف من المستقبل وبرغم كل مخاوفها حاولت أن تتجاوز الأمر عند جلوسها إلى جوار جوزها بعد عقد القران ليزين يديها ببعض الأساور والتي قد اشتراها لها كإحدى الهدايا لتقول والدةسعد وقد تراقصت على شفتيها ابتسامة صفراء
مبروك يا بتي يا خديجة مبروك علينا
ثم مدت يدها لسعد
لبس عروستك الغوايش يا ولدى
ونظرت له خديجة على استحياء للمرة الأولى كان قاسياً بارد النظرات خالي من أي تعبير وتساءلت
يا ترى ما الذي أعنيه له؟
ألبسها في هدوء ثم قال في حزم
مبروك وانصرف من المكان ليجلس بمجلس الرجال، وخلفها ساهمة وهي تمسك بالأساور بين يديها وتركها ...
لكزتها فاطمة قائلة في سعادة
ها قرصك علشان احصلك في جمعتك.
لتضحك شقيقتها وتتعالي ضحكات البنات وتصفيقهن والغناء.
جلس سعد في احدى الشرفات ليشرب الشيشة ويتعالى أمامه الدخان، ينظر نظرة محدقة في الفراغ وكأن شيئا ما يشغله ليقترب منه صادق بعد عودته من احدى حفلات السمر
سعد عاوز ألف جنيه
لم يلتفت له سعد بل قال وهو على نفس هدوئه
ليه؟
أجابه صادق منفعلاً
انا اطلب واخد اللي انا عاوزه ... زيي زيك ... حقي
ولم يشعر الا وشقيقه يمسك بتلابيب ثيابه قائلاً والشرر يتطاير من عينيه
انا بتجوز علشان أكبر كومنا وانت عمال تبعزق يمين وشمال وتقول حق ... تك كسر حقك
ثم تركه و صادق يلهث من الانفعال
استرجل وابقي راجل ... اخطب بت عمك فاطنة ثم لمعت عيناه بشرارة واحكم قبضة يده وضغط على اسنانه
الثروة تبقى في يدنا وسيبك من الجلع اللي جايبك لورا، وركل الشيشة بقدمه وانصرف غاضباً.
صباحاً ... دلف ناصر إلى منزل شقيقه شكري ليقول له
من متى وانت بتتصرف لوحدك يا شكري
حدجه شكري بنظرة ثاقبة ليقول له
أنا أمر بس وأوامري تتنفذ
ثار ناصر قائلاً
ليه شغال عند أجري؟
ابتسم شكري في سخرية وهو يشير بعصاه لما حوله
كل شبر وكل حاجة هنا ملكي أنا سيدك
وسيد البلد
اقترب منه ناصر منفعلاً فتناهى إليهما صوت أم الرجال قائلة في حزم
ولا كلمة ... اقفل خشمك ... الأرض كلها ل شكري هو الكبير
ولم يصدم ناصر دائما ما كانت تناصره وتؤازره وتقف الي جواره ...غصة في حلقه، يستشعر ظلمها له منذ الصغر ولكنه تعلَم المكر والدهاء، حقداً شربه مع مرور السنوات ليرسم خطة ويجند لها أسرته سعد و صادق وزوجته، يوماً بعد يوم تزداد رغبته في تحقيق مراده ليقول في هدوء
متى الجواز؟
حاول شكري أن ينطق ولكن ألجمته كلمات الأم
بعد شهر.
تجلس خديجة داخل غرفتها ببيت الزوجية وقد تزينت كأحلى عروس تنظر إلى الارض حياءً ولا تعرف ما الذي يجب عليها فعله ليقطع سعد الصمت قائلاً
اسمعى يا بت عمى ... كلامي مش باقوله مرتين ... عاجول الكلمة مرة واحدة بس ... سؤال جاي منين ورايح فين ... لا
حديت كتير مع أمك وأبوك .... ها اقطع رقبتك ... وأشار إلى نفسه
اتعلمي طباعي ... علشان مش بحب البكا الكتير.
اتسعت عيناها وصعقت ...أهذه هي ليلة العمر؟! ... لتجد أنها انقذت من شرك صغير، لتقع في فوهة عميقة ولا تدري كيف ستنجو منها ؟؟؟؟يتبع