البارت الاول حبائل الجمر ياسمين الهجري

لمحة نيوز

البارت الاول حبائل - الجمر ياسمين - الهجرسي

          " جمر العتبات"

                  *****

"لم يكن فراراً ذاك الذي أملته خطاي نحو بيت أبي، بل كان زحفاً بجسدٍ طحنته رحى الخيبة.

حملتُ صغاري كمن يحمل بقايا وطنه المنكوب، وجئتُ أحتمي بظلال جدرانٍ ظننتها دافئة، فإذ بي أطأ جمراً تزكيه أنفاس ذوي القربى لكنني أقسمت، ألا أنحني لجلادٍ آخر."

تسللت خيوط الفجر الشاحبة عبر زجاج النافذة المكسور في صالة الشقة القديمة، لتكشف عن ملامح رجاء المستيقظة منذ أزل كانت تجلس على حافة المقعد الخشبي المهترئ، تضم ولديها إلى صدرها كدجاجة تحمي فراخها من إعصار غير مرئي.

جسدها يئن من كدمات لم تندمل بعد، أثر الليلة الأخيرة في جحيم "عادل".. الليلة التي انكسر فيها الصمت، وقررت فيها ألا تعود.

التفتت حولها، جدران بيت أبيها الراحل تفوح برائحة الذكريات، لكنها رائحة مخنوقة بأنفاس الغرباء.

لم يكد يمر على وصولها ليلتان، حتى استيقظ البيت على صوت خطوات غليظة تقترب إنه "مجدي"، أخوها الذي سلبته زوجته "شادية" كل معاني الرجولة، وتركته مجرد صدى لصوتها المقزز وطقطقة لبانها المستفزة.

انفتح الباب بعنف، ودخل مجدي تتبعه شادية التي كانت تطقطق لبانها ببرود، وعيناها ترمقان رجاء وأطفالها بنظرات تقطر سماً.

قال مجدي بصوت متحشرج يحاول فيه اصطناع القوة:

"وبعدين معاكي يا رجاء؟ قعدتك هنا طولت، والبيت ده مش هيلِم أمة لا إله إلا الله عيالك ماليين المكان كركبة، وإحنا مش حمل مصاريف ولا وش."

نظرت إليه رجاء بعينين كالجمر، ونهضت في ثبات كأنها أسد يتهيأ للوثوب، وقفت بطولها ورغم الإعياء، كانت قامتها أطول من قامته المهزوزة قالت بنبرة حادة وصوت رخامي يهز أركان الغرفة:

"بيت مين اللي قعدتي فيه طولت يا ابن أبويا؟

ده بيت أبويا زي ما هو بيت ابوك، وليا نصيب فيه وهاخده أنا مش جاية أشحت منك، أنا جاية بيتي."

تدخلت شادية وهي تضع يدها في وسطها، وتتحرك بميوعة "لوكال" مقززة، قائلة بصوت مستفز:

"بيت أبوكي إيه يا أم بيت؟

البيت ده مجدي شقيان فيه، ومش هنيجي على آخر الزمن نقسم اللقمة مع عيال مالناش دعوة بيهم خدي عيالك وارجعي لراجلِك، وبلاش دلع ماسخ."

التفتت إليها رجاء، ونظرت لها من أعلى لأسفل بازدراء شديد، وقالت:

"انتي تسكتي خالص يا شادية، وما تتدخليش بيني وبين أخويا الكلمة كلمتي هنا، والبيت ده ليا فيه حق شرعي، ومش هسيبه لو على رقبتي."

التفتت رجاء ببرود قاتل، وأمسكت بهاتفها المحمول، وضغطت على الأرقام بسرعة وثبات وضعت الهاتف على أذنها، وعيناها مثبتتان في عيني أخيها الضعيف :

"ألو.. أيوة يا عمتي أنا رجاء عايزاكي انتي وأعمامي تجولي حالا في بيت أبويا مجدي ومراته عايزين يطردوني أنا وعيالي في الشارع مستنياكم."

أغلقت الهاتف بعنف هنا جن جنون شادية، وبدأت تدور حول مجدي كالأفعى، تسخنه وتدفع بكتفها في كتفه قائلة بحدة وبذاءة:

"شايف؟

السنيورة بتعمل لنا قعدة رجالة في بيتنا!

جايبة أهلها يلووا دراعك يا خايب؟

واقف تتفرج عليها وهي بتهينك في وسط شقتك؟

اضربها، ورّيها مقامها، عرفها إن الله حق بدل ما تركبك وتدلدل رجليها!"

اندفع مجدي، مدفوعاً بكلمات زوجته المخزية، ورفع يده الغليظة ليهوي بها على وجه رجاء لكن في جزء من الثانية، تحولت رجاء إلى وحش كاسر؛ أمسكت بمعصمه بقوة لم يعهدها فيها من قبل، ودفعته للخلف ليترنح ويسقط فوق مقعد خشبي كاد ينكسر به.

صاحت فيه وعيناها تطلقان شرراً:

"إياك!

إياك تفكر تمد إيدك عليا!

أنا طلع عيني وانضربت واتهنت من اللي ما يتسمى برة، لكن هنا.. في بيت أبويا.. اللي هيمد إيده عليا هقطعهاله!

قال مجدى :

انتى عاملالي قعدة رجالة ومتصلة جايبة أهلك علشان مفكرة إن هما يجبروني إني أسيبك قاعدة في بيت أبويا؟

قالت رجاء:

آه.. ده بيت أبويا وليه نصيب فيه وهخده!"

تنحنحت شادية، ورأت زوجها يسقط مهزوماً، فقررت أن تتدخل بنفسها بأسلوبها البيئي.

خلعت شبشبها من قدمها بسرعة، ورفعته في الهواء وهي تصرخ:

"بلاش انت تربيها يا مجدي عشان الناس ما يقولوش ده مد إيده على أخته سيبها أنا اللي هأربيها وأعرفها مقامهـ..."

لم تكمل شادية جملتها انقضت عليها رجاء كالصاعقة، وأمسكت باليد المرفوعة، وانتزعت الشبشب منها، وبدأت تهوي به على رأس شادية ووجهها بضربات متتالية وسريعة.

نزلت عليها "علقة" ساخنة شفت غليل جدران البيت الصامتة.

شادية كانت تصرخ وتستغيث، ومجدي واقف مذهولاً لا يجرؤ على التدخل بعد أن رأى شراسة أخته.

دفعت رجاء شادية بقوة نحو الباب، وصاحت بصوت هز البناية كلها:

"خد مراتك واطلع برة بدل ما  أفرّج عليكم الدنيا دي كلها!

أنا اللي فيَّ مكفيني!"

انكمشت شادية وهي تبكي من الألم والإهانة، وسحبها مجدي من يدها مهزوماً، وخرجا مسرعين من شقة الدور الأرضي، وصعدا إلى شقتهما في الأدوار العليا، والشتائم تملأ فم شادية.

عادت رجاء إلى الصالة، وتنفست الصعداء، لكن دموعها خانتها وهبطت حارة على وجنتيها.

في تلك اللحظة، اقترب منها ابنها الصغير، ونظر إليها بعينين حزينتين خائفتين وقال :

"هو إحنا كل ما نروح مكان  تضربي فيه يا ماما؟"

أنا أكبر وادافع عنك.."

ابتسمت رجاء وسط دموعها،
وانفطر قلبها، وجثت على ركبتيها أمامه، ومسحت دموعها بسرعة، وقالت بنبرة قوية تحاول بث الأمان في قلبه:

"مالكش دعوة بالكلام ده، أهم حاجة تهتم بدراستك، وأنا عارفه أنا هعمل إيه."

وقبلت جبينه، ثم جلست على الأرض، تسند ظهرها إلى الحائط، وبدأت شريط حياتها يمر أمام عينيها كفيلم أسود.

تذكرت كم كانت زوجة مقهورة، مظلومة، تحملت الضرب والإهانة من "صالح" الذي تبين أنه تاجر ، تحملت الفقر والجوع والذل من أجل عيالها، حتى طفح الكيل.

نظرت إلى زاوية الصالة، حيث كان هناك باب داخلي يؤدي إلى محل أبيها الراحل محل الخياطة الذي أغلق منذ سنوات لمعت فكرة في رأسها كبريق أمل وسط الظلام نظرت إلى الباب وقالت في نفسها:

"المحل ده هيتنظف، وهيتفتح، وهشتغل فيه خياطة زي ما كنت بساعد أبويا هعمل قرش اصرف على ولادي وما خلوهمش محتاجين حاجة من حد.. ولا حتى من أخويا."

يتبع.......

 حبائل - الجمر 
ياسمين - الهجرسي

تم نسخ الرابط