البارت الثاني حبائل - الجمر ياسمين - الهجرسي
البارت الثاني حبائل - الجمر ياسمين - الهجرسي
*****
"قضاة الدم"
*****
"حينما تتآكل أواصر الدم، تصبح العدالة بحاجة إلى سياط غريبة لتقويمها.
ظنوا أن كوني امرأة مكسورة الجناح سيجعلني لقمة سائغة في أفواه أطماعهم، ففاتهم أن حرائر البيوت لا ينحنين إلا لبارئهن، وأن الحق الذي وراءه لسانٌ كالسيف.. لا يموت."
لم تكد تمضي ساعتان على معركة الصباح الصاخبة، حتى امتلأ زقاق الحارة بوقع خطوات رصينة أعلنت عن وصول الحكماء.
نزلت العمة "رجاء" من سيارة الأجرة يتبعها أعمام رجاء الثلاثة، يتقدمهم العم الأكبر "الحاج عبد الحميد" بوجهه الصارم وعصاه التي تضرب الأرض بانتظام كأنها تدق طبول الحسم.
في الدور الأرضي، كانت رجاء قد غسلت وجهها، ورتبت خصلات شعرها المتمردة، وأجلست صغارها في الغرفة الداخلية ريثما تنتهي هذه المعركة الدبلوماسية.
فتحت الباب واستقبلتهم بجلال يليق بابنة "رأفت الجمال"، انحنت تقبل يد عمتها ورأس أعمامها، مفسحة لهم المجال ليتصدروا المجلس في الصالة الواسعة.
على الجانب الآخر، كان مجدي قد هبط من شقته العلوية تتبعه شادية، والتي كانت تضع شالاً حول رقبتها لتداري آثار "العلقة" الساخنة التي نالتها، ولم تكف عن طقطقة لبانها بنزق وهي تهمس في أذن زوجها بكلمات مسمومة لئلا يتراجع.
جلس الجميع، وساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت أنفاس مجدي المتوترة تنحنح الحاج عبد الحميد، ووضع كفيه على مقبض عصاه وقال بنبرة جهورية:
"جرى إيه يا مجدي؟
لحق تراب قبر أبوك يِجف عشان تقف لأختك على العتبة وعايز ترميها برة هي وعيالها؟
فين الأصول وفين الرجولة اللي علمها لك الجمال؟"
اندفع مجدي بالكلام، وعيناه تزيغان في المكان:
"يا عمي انت مش شايف هي عملت إيه؟
دي دخلت البيت بعيالها، وضربت مراتي بالشبشب، وجايبة لي ناس من برة تحاكمنى في بيت أبويا!
البيت خمس أدوار آه، بس أنا اللي شايله ومصاريفه تهد الحيل، وهي جاية تخنقني هنا وضيق عليا ما ترجع لجوزها
تلم عيالها بدل الشوشرة دي!"
انتفضت رجاء من مكانها، ووقفت بصلابة أمام الأعمام، وقالت بنبرة قاطعة هزت أرجاء المكان:
"مش هرجع يا مجدي.. مش هرجع لعادل لو السما انطبقت على الأرض!
وأنا هتطلق منه، ولو ما رضيش يطلقني ونخرج بالمعروف أنا هخلعه!"
هنا لم تتحمل شادية الصمت، فتدخلت بصوتها الأجش المستفز، مائلة بجسدها للأمام وهي تقول:
"تتطلقي؟
وتتطلقي ليه يا ست رجاء؟
مكنتيش تعرفي إنه تاجر مخدرات من زمان؟
جاية دلوقتي تعملي فيها الشريفة الفاضلة بعد ما عيشتي في خيره خمس سنين؟"
وقبل أن تنطق رجاء بحرف، انتفضت العمة "رجاء" من مجلسها كالملسوعة، وضربت كفاً بكف وهي تصيح بجهارة في وجه شادية:
"اخرسي قطع لسانك يا شادية!
البت ما كانتش تعرف، ولما عرفت ووقعت في إيدها الأدلة طلبت الطلاق وربنا نجاها من وساخته!
هدي نفسك يا أم صرم لأن اللي هيدوس ليها على طرف هي أو عيالها هيلاقني أنا يا شادية!"
التفتت العمة "رجاء" نحو مجدي، وربتت بحدة وقسوة على كتفه، ونظرت في عينيه المكسورتين قائلة بنبرة تقطر لوماً:
"أختك دي لحمك يا رجولة!
لحمك اللي فرطت فيه عشان خاطر واحدة غريبة تسوقك كيف البهيمة!"
تدخل العم الأكبر، الحاج عبد الحميد، ضارباً بعصاه على الأرض ضربة قوية جعلت مجدي يجفل في مكانه.
قال بصوت صارم لا يقبل النقاش:
"اسمع يا مجدي إحنا قعدنا وحكمنا بالشرع والأصول.
البيت ده شرع ربنا فيه واضح؛ أختك ليها نصيبها الشرعي فيه والشقة اللي في الدور الأرضي دي، مع المحل المقفول بتاع أبوك دول نصيبها ورزق عيالها.
تقعد في حقها وما حدش يتجرأ يرفع عينه فيها."
تمتم مجدي باعتراض، وعيناه تتجهان نحو شادية التي كانت تشير له بوعيد:
"بس يا عمي المحل ده واجهة البيت، والشقة دي كانت هتأجر ونستفاد بقرشها إزاي تقعد فيها كده ببلاش والبيت كله يتقسم؟"
رد عليه العم الثاني بغضب:
"ببلاش إيه يا جاهل؟
ده حقها!
قسماً بالله يا مجدي، لو عرفنا إنك زعلت أختك أو ضايقتها هي وعيالها، لتشوف مننا وش عمرك ما شفته!
إحنا هنجيب حد من برة يشتري البيت كله الخمس أدوار دول هينباعوا في المزاد، وكل واحد ياخد نصيبه يعمل بيه اللي هو عايزه، وتطلع انت ومراتك برة البيت ده ملكمش فيه طوبة واحدة!"
شحب وجه مجدي، وتراجع خطوة للخلف وهو ينظر إلى أعمامه وعمته الذين التفوا حول رجاء كالسور المنيع.
التفت إلى زوجته شادية التي بدأت تبرطم بكلمات غير مفهومة من الغيظ، ثم نظر إلى رجاء وقال بحقد:
"يعني هي تسيب بيت خمس أدوار يرمح فيه الخيال وجاية تخنقني أنا هنا؟
ماشي يا رجاء اقعدي فيها، أما نشوف آخرتها معاكي إيه!"
سحب مجدي زوجته بعنف من يدها وصعدا إلى الأعلى، بينما كانت شادية تلتفت وتنظر لرجاء بنظرات تشتعل غيلاً ومكراً، وقد اتخذت في عقلها قراراً لا رجعة فيه:
ستجعل حياة رجاء في هذا البيت جحيماً لا يطاق، وستطفشها منه مهما كلفها الأمر.
تنفس الجميع الصعداء، واقتربت العمة "رجاء" من رجاء، وضمتها إلى صدرها بقوة، مسحت على شعرها وقالت:
"ما تخافيش يا بنت أخويا طول ما فينا نفس، محدش هيجبرك على طاعة ظالم ولا أكل حقك.
اقعدي في شقة أبوكي، وحقك في جيبك."
شكرت رجاء أعمامها وعمتها بعيون ممتنة، ودعت لهم وهي تودعهم عند العتبة.
وحين أُغلق الباب، التفتت نحو صغارها الذين خرجوا من الغرفة، ونظرت إلى باب المحل المغلق.
علمت أن المعركة القانونية والعائلية قد انتهت جولتها الأولى لصالحها، لكن معركة البقاء الحقيقية بدأت لتوها.
يتبع.......
حبائل - الجمر
ياسمين - الهجرسي