‏"الرحمة التي تمنحها للناس... هي وحدها التي تبقى معك عندما يرحل كل شيء."

لمحة نيوز

في آخر الحي، كان هناك بيت صغير لا يلفت انتباه أحد. جدرانه قديمة، وبابه الخشبي يحمل آثار عشرات السنين، أما شرفته الضيقة فكانت تحتضن أصصًا من الريحان والياسمين، كأن صاحبة البيت كانت تحاول أن تقنع الحياة بأن الجمال يستطيع أن ينبت حتى في أكثر الأماكن تواضعًا.
كانت تعيش فيه امرأة تُدعى سلمى، تجاوزت الستين بقليل. لم يكن لها زوج، ولا ولد، ولا أخ يطرق بابها، حتى الجيران كانوا يعرفون عنها شيئًا واحدًا فقط أنها امرأة هادئة لا تؤذي أحدًا، وتبتسم لكل من يمر أمام بيتها.
لكن أحدًا لم يكن يعرف أن تلك الابتسامة كانت تُولد كل صباح بعد معركة طويلة مع الحزن.
قبل ثلاثين عامًا، كانت سلمى مخطوبة لشاب أحبته حبًا صادقًا. كان فقيرًا، لكنه كان يملك قلبًا يطمئنها، وكانت تقول دائمًا
البيت الذي يسكنه الحب، لا يخيفني أن تكون جدرانه من الطين.
غير أن المرض خطفه قبل موعد زفافهما بأيام قليلة.
ومنذ ذلك اليوم، انطفأ شيء في قلبها لم يعد يشتعل مرة أخرى.
رفضت كل من تقدم إليها بعده، ولم يكن ذلك وفاءً له وحده، بل لأنها شعرت أن قلبها لم يعد قادرًا على أن يبدأ من جديد.
مرت السنوات...
مات والداها.
وتزوجت أخواتها.
وسافر أقاربها.
وبقي البيت يسكنه صوتها وحدها.
كانت تستيقظ قبل الفجر كل يوم.
تصلي طويلًا.
ثم تجلس عند النافذة، تحتسي كوب الشاي، وتراقب الناس وهم يخرجون إلى أعمالهم.
كانت تحفظ وجوههم جميعًا.
ذلك الرجل الذي يحمل حقيبته السوداء.
وتلك الطفلة التي تقفز وهي تمسك يد أمها.
والشاب الذي يركض كل صباح لأنه يتأخر دائمًا.
كانت تعرف تفاصيلهم الصغيرة، بينما لم يكن أحد يعرف شيئًا عن تفاصيلها.
وذات شتاء...
كانت الأمطار تهطل بغزارة، والريح تعصف بالأشجار، حين سمعت طرقًا خافتًا على الباب.
فتحت...
فوجدت طفلًا لا يتجاوز الثامنة، يرتجف من البرد، وثيابه مبللة تمامًا.
قال بصوت مكسور
خالتي... هل أستطيع أن أجلس قليلًا حتى يتوقف المطر؟
ابتسمت، وأدخلته بسرعة.
لفته ببطانية.
وقدمت له كوبًا من الحليب الساخن.
ولما بدأ الدفء يعود إلى جسده، سألته عن بيته.
خفض رأسه طويلًا...
ثم قال
ليس لي بيت.
علمت أن الطفل كان يتيمًا، يعيش متنقلًا بين الأقارب، وكل واحد منهم يعتذر عن بقائه عنده أكثر من أيام قليلة.
كان يشعر دائمًا أنه ضيف ثقيل.
حتى إنه اعتاد أن ينام وهو يخشى أن يخبره أحد في الصباح أن يرحل.
ظل صامتًا معظم الوقت.
لكن عينيه كانتا تتحدثان.
وكان فيهما خوف لا يليق بطفل.
عندما توقف المطر، همَّ بالمغادرة.
لكن سلمى قالت بهدوء
إن أردت... يمكنك أن تتناول الغداء أولًا.
تناول الغداء.
ثم بقي للعشاء.
ثم قالت له
الليلة باردة... نم هنا، وغدًا لكل حادث حديث.
كانت تلك الليلة بداية حكاية جديدة.
صار الطفل يزورها كل يوم.
ثم صار يقضي عندها معظم وقته.
ثم أصبح يناديها
أمي.
في البداية، كانت تبكي كلما سمعتها.
ثم اعتادت الكلمة...
وأصبحت تنتظرها.
كانت تشعر أن الله لم يمنحها ولدًا من رحمها، لكنه أرسل إليها ولدًا احتاج إلى قلبها.
مرت الأعوام سريعًا.
كبر الصغير.
واجتهد في دراسته.
وكان يقول لكل من يسأله
كل ما أنا فيه... بعد فضل الله... بسبب امرأة لم تلدني، لكنها علمتني معنى الأم.
كانت سلمى تخفي دموعها كلما سمعت ذلك.
وفي يوم تخرجه من الجامعة...
أصر أن يصعد إلى منصة التكريم ومعه امرأة مسنة تمشي ببطء.
تعجب الجميع.
ولما أمسك الميكروفون قال
يظن الناس أن النجاح يصنعه الذكاء... لكنه أحيانًا يصنعه قلب واحد رفض أن يغلق بابه في وجه طفل تائه.
ثم التفت إليها...
وقبّل يدها أمام الجميع.
وقف الحضور يصفق طويلًا.
أما هي...
فلم تكن تسمع شيئًا.
كانت تنظر إلى السماء فقط.
وتهمس
يا رب...
لقد أخذت مني كثيرًا...
لكنني الآن أفهم لماذا أخرت العطاء.
بعد سنوات قليلة...
مرضت سلمى.
وأصبحت لا تقوى على الحركة.
أما ذلك الطفل، الذي صار رجلًا، فقد ترك عمله أشهرًا كاملة ليجلس بجوارها.
كان يطعمها بيده.
ويقرأ لها القرآن.
ويخبرها كل مساء
لا تخافي... أنا هنا.
فتبتسم، وتقول
سبحان الله...
كنت أخشى أن أموت وحيدة...
فإذا بك تجعل وحدتي أجمل ذكرى بعيدة.
وفي فجر يوم هادئ...
رحلت سلمى.
كانت ابتسامتها لا تزال على وجهها.
وكأنها رأت قبل رحيلها شيئًا أسعد قلبها.
وبعد انتهاء الجنازة...
عاد الرجل إلى البيت القديم.
فتح الباب.
فوجد فوق الطاولة رسالة صغيرة كُتب عليها اسمه.
فتحها، فإذا فيها
يا بني...
إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فهذا يعني أنني سبقتك إلى الله.
لا تحزن كثيرًا.
لقد عشت حياتي سنوات طويلة أظن أنني أكثر الناس حرمانًا.
ثم اكتشفت أن الله كان يؤخر عطاياه حتى يمنحني شيئًا لا يشبه عطايا الدنيا.
أنت لم تكن ضيفًا على بيتي...
بل كنت رزقًا ساقه الله إلى قلبي.
فإذا ضاقت بك الأيام يومًا...
فتذكر أن بابًا فتحته امرأة غريبة لطفل لا تعرفه...
غيّر حياة اثنين معًا.
وإذا استطعت يومًا أن تفتح بابك لمكسور...
فافعل.
فربما تكون أنت الدعاء الذي انتظره سنوات.
أستودعك الله...
ولا تنسني من دعوة صادقة.
طوى الرسالة، وضمها إلى صدره، ثم بكى كما لم يبكِ منذ كان طفلًا.
وفي اليوم التالي، علّق على باب البيت لوحة صغيرة كتب عليها
هذا البيت سيظل مفتوحًا لكل قلبٍ ضاقت به الدنيا.
ومنذ ذلك اليوم، صار كل يتيم أو محتاج يجد في ذلك البيت دفئًا، وكأن روح سلمى بقيت فيه، تبتسم لكل من دخل، وتهمس في أذنه
الرحمة التي تمنحها للناس... هي وحدها التي تبقى معك عندما يرحل كل شيء.

تم نسخ الرابط