حرمه لم تستباح
حرمه لم تستباح
صوت المطر كان بيخبط على أزاز الشباك زي ما يكون عايز يدخل يشارك الناس جوا كآبتهم. البيت الكبير في الحارة القديمة كان ساكت، سكوت يخوف من النوع اللي تحس فيه إن حتى الملايكة خاېفة تتنفس. في الصالة العالية اللي سقفها واطي من كتيرة السحاب، كان قاعد محمود. محمود شاب في أواخر العشرينات، جسمه عريض ووشه فيه طيبة ولاد البلد بس مرسوم عليه ملامح شقا وتعب. كان ماسك في إيده ساعة يد قشاطها جلد متأكل، ساعة إبراهيم. إبراهيم، أخوه الكبير، وتوأم روحه، وسنده في الدنيا. إبراهيم اللي راح في غمضة عين؛ ضړبة شمس على لقمة العيش في الصعيد، ورجع لهم في صندوق خشبي ملفوف بملاية بيضا، وساب وراه كل حاجة... وساب سارة.
أم محمود، الحجة فاطمة، كانت قاعدة على الكنبة الكابوتونيه،
لافة شالها الأسود حوالين كتافها اللي انحنت من الحزن. صوابعها كانت بتفرك في سبحة عاج قديمة، وعينيها الحمرا من كتر البكا تبص لولادها ولالأرض. سمعتني يا محمود؟ خرج صوت الحجة فاطمة مشروخ زي فخار مكسور. محمود بصلها ومسح بأيده على وشه المرهق وقال لها يا أمي حرام عليكِ اللي بتقوليه ده! إبراهيم لسه مكملش شهر تحت التراب! عايزاني أروح أتجوز مراته؟ أقف مكان أخويا؟ دي سارة دي كانت بالنسبة لي زي أختي الصغيرة، عمري ما بصيت لها غير كدة، ولا هي عمرها بصلت لي غير إني أخو جوزها!
الحجة فاطمة ضړبت بصدرها بكفها اليمين وقالت له عايز الناس تاكل وشنا؟ عايز الغريب ييجي يلم لحمنا؟ سارة بنت ناس ويا حبيبتي مالهاش حد بعد ربنا غيرنا. أبوها راجل على باب الله وأمها عاجزة، لو سابت البيت
ده هترجع لفقر ألعن من اللي كانت فيه، أو ييجي واحد غريب ياخدها ويتحكم فيها. الأصول بتقول إن حريم البيت ما تخرجش بره البيت، وأنت اللي هتصونها يا محمود.. أنت اللي هتكون ضلها. محمود قام وقف فجأة وقال ضلها؟! أنا لو اتجوزتها هبقى بحس إني بحرم أخويا من حقه في الدنيا بعد ما ماټ! هحس إني خاېن يا أمي! كل ما أبص في وشها هشوف إبراهيم واقف بينا!
خرجت من الأوضة الجوانية هي.. سارة. كانت واقفة عند طرف الممر، لابسة عباية سودة واسعة، وطرحة سودة مغطية نص وشها. كان جسمها قليل، ووجهها شاحب زي الورقة البيضا، وعينيها منفخة من الدموع بس فيها نظرة استسلام ټرعب. نظرة حد أدرك إن حياته مبقتش ملكه، وإن الأقدار بتلعب بيه زي العروسة الماريونيت. وقفت سارة، وصوتها كان واطي بس رن في الصالة
الساكتة زي الجرس وقالت لو ده هيخلي بال الحجة فاطمة يرتاح، وهمك يقل يا محمود... أنا موافقة. أنا مش عايزة أكون سبب مشاكل ولا عايزة أرجع أكون عبء على أهلي. اعملوا اللي تشوفوه صح. محمود بص لها، ولأول مرة يلاحظ أد إيه هي کسيرة وأد إيه هي خاېفة. عينيه جمت في عينيها وشاف فيهم الۏجع نفس الۏجع اللي كان حاسس بيه. غمض عينيه وتنهد تنهيدة طالعة من قاع صدره وقال الجهيزات هتم من غير هيصة يا أمي.. كتب كتاب على الضيق، ومن غير زفة ولا حس.
بعد أسبوعين بس، تم كتب الكتاب. مفيش زغاريد، مفيش أغاني، مفيش أرز أبيض ولا شربات. مجرد مأذون، وكام راجل من المنطقة، وكباية شاي أسود ثقيل. في الليلة دي، دخل محمود الأوضة. الأوضة دي مكنتش أوضته القديمة، دي كانت أوضة إبراهيم وسارة. بس هو
أصر ينقل عفش جديد فيها، وغير دهان الحيطان بالكامل عشان يمسح أثر أخوه، مش كرهًا فيه، بس خاف يجنن نفسه أو يظلمها. سارة كانت قاعدة على طرف السرير، لابسة فستان أبيض بسيط أوي، مفيش فيه أي بهجة، ومغطية وشها بأيديها اللي بتترعش. محمود وقف عند الباب وقفل الباب بالمفتاح بالبطء، وصوت التكة كان زي صوت طلقة في الأوضة. هو نفسه كان خاېف، كان حاسس إنه داخل يعتدي على ملكية مش بتاعته.
قرب منها ببطء ووقف على بعد مترين ونادى عليها بصوت محمل بمرارة وقال مټخافيش مني. أنا مش جاي أفرض نفسي عليكِ، ولا جاي أخد مكان إبراهيم. أنا عارف إن ده صعب عليكِ زي ما هو صعب عليا بالضبط. جوازنا ده على الورق قدام الناس، عشان أمي يرتاح بالها وعشان محدش يتكلم عليكِ بكلمة نص. أنتِ هنا معززة مكرمة، شقتك وأوضتك.
. وأنا هنام في الأوضة التانية. سارة فضلت تبص له، دموعها نزلوا على خدها ببطء وهزت راسها من غير ما تنطق ولا كلمة. خرج محمود وقفل الباب وراه، وراح للأوضة الصغيرة اللي كانت مخزن للبيت، فرد كرتونة وحط عليها مرتبة قديمة، ونام وهو بيبص للسقف، حاسس بقلبه مقسوم نصين. نص زعلان على أخوه، ونص خاېف من المستقبل اللي مش باين له ملامح.
مرت الأيام وتحولت الشهور لروتين قاټل. البيت كان عبارة عن مسرحية صامتة. محمود ينزل شغله في الورشة من الصبح بدري ويرجع على المغرب، يلقى الأكل متغطي على الترابيزة، وهدومه متغسولة ومتكوية ومحطوطة بالنظام. سارة كانت ست بيت ممتازة، بتعمل كل حاجة بأمانة ودقة، بس كانت بتتجنب تتواجد في نفس الأوضة معاه. لما يجي يطلب حاجة، ترد ب حاضر يا محمود بصوت واطي ومكسور. ولما
تقعد