الحصاد الأخير للحاج منصور

لمحة نيوز

الحصاد الأخير للحاج منصور
في إحدى قرى دلتا مصر، كان الحاج منصور معروفًا بين الناس بأنه رجل الأرض والكلمة الطيبة. لم يكن أغنى مزارعي القرية، لكنه كان أكثرهم حبًا للناس. إذا مرض أحد جيرانه وجده أول من يقف بجواره، وإذا تعطل جرار أحد المزارعين لم يتردد في إعطائه جراره حتى ينتهي من عمله. كان يؤمن أن الأرض لا تعطي خيرها إلا لمن يزرع فيها الخير قبل البذور.
عاش الحاج منصور خمسة وخمسين عامًا بين حقوله الممتدة على أطراف القرية. وكانت زوجته أم أحمد تشاركه رحلة الكفاح الطويلة، بينما كان ولداه أحمد ومحمود يساعدانه كلما سنحت لهما الفرصة.
في ذلك العام كان الموسم مبشرًا
على غير العادة. القمح امتلأت سنابله، والذرة ارتفعت سيقانها كأنها تحتفل بوفرة الرزق. وكان الحاج منصور يحلم بأن يكون هذا الموسم بداية جديدة لأسرته، بعد سنوات من الديون والمشقة.
لكن القدر كان يخبئ صفحة أخرى.
في صباح يوم قائظ من أيام الصيف، خرج الحاج منصور إلى أرضه كعادته. سار بين السنابل مبتسمًا وهو يتأمل محصوله الذي انتظره طويلًا. وبعد ساعات قليلة، شعر پألم حاد في صدره. حاول الجلوس تحت شجرة جميز قريبة، لكنه لم يستطع. هرع إليه العمال، ونقلوه إلى المستشفى، لكن قلبه كان قد سبق الجميع إلى رحمة الله.
انتشر الخبر في القرية كالڼار في الهشيم.
وقف أهل القرية في جنازته
مذهولين. لم يصدق أحد أن الرجل الذي كان بالأمس يضحك بينهم قد رحل بهذه السرعة.
أما أم أحمد فكانت تشعر وكأن السقف قد سقط فوق رأسها. لم يكن حزنها على زوجها فقط، بل على المستقبل الذي أصبح غامضًا فجأة. كانت تعلم أن الحقول تنتظر الحصاد خلال أيام قليلة، وإلا ضاع جزء كبير من المحصول.
وفي الليلة الأولى بعد العزاء، جلست مع ولديها في صمت ثقيل.
قال أحمد وهو ينظر إلى الأرض إحنا مش هنقدر يا أمي.
رد محمود بصوت مخټنق حتى لو اشتغلنا ليل ونهار مش هنلحق.
لم يكن الخۏف من التعب، بل من الخسارة. فالمحصول كان يمثل دخل الأسرة لعام كامل.
مرت تلك الليلة بطيئة كأنها سنة كاملة.
لكن في
صباح اليوم التالي حدث شيء غريب.
استيقظ أحمد على صوت محركات قادمة من بعيد. ظن في البداية أنها شاحنات تمر على الطريق الزراعي. لكنه عندما خرج إلى الشارع وجد عشرات الجرارات والحصادات تتجه نحو أرض أبيه.
تجمد في مكانه.
ورأى خلفها رجالًا يعرف بعضهم ولا يعرف أكثرهم.
اقترب منه شيخ مسن من قرية مجاورة وقال فين أرض أبوك يا ابني؟
أجاب أحمد بدهشة هناك.
ابتسم الرجل وقال طيب يلا بينا... الوقت ضيق.
لم يفهم أحمد شيئًا.
وبعد دقائق بدأت الحقول تمتلئ بالناس.
جاء مزارعون من القرى المجاورة، وبعضهم قطع عشرات الكيلومترات. جاء من ساعده الحاج منصور قبل سنوات، وجاء من لم يساعده أبدًا
لكنه سمع عن طيبته. شباب لم يروه إلا مرات قليلة، لكن آباءهم كانوا يرددون دائمًا الراجل ده جدع.
وقف أحمد وسط المشهد عاجزًا عن الكلام.
أما أمه فكانت تراقب من بعيد والدموع تنهمر من عينيها.
اقتربت منها امرأة عجوز وقالت متعيطيش يا بنتي... الراجل الطيب عمره ما بېموت لوحده.
بدأ العمل منذ ساعات الصباح الأولى.
كانت الحصادات تتحرك كأنها خلية نحل عملاقة. والشاحنات تنقل المحصول تباعًا. والرجال يتبادلون الأدوار دون أن ينتظر أحد منهم أمرًا أو تعليمات.
ولأول مرة فهم أحمد معنى السمعة الطيبة.
لقد كان يظن أن أباه يضيع وقته عندما يساعد الآخرين أو يتنازل عن بعض حقوقه من أجل إصلاح ذات البين.
كان يقول
له أحيانًا الناس مش هتفتكر يا أبي.
فيبتسم الحاج منصور ويجيب الخير زي البذرة... ممكن تغيب تحت التراب سنين، لكن يوم ما تطلع هتندهشك.
وفي تلك اللحظة أدرك أحمد معنى تلك الكلمات.
خلال يومين فقط انتهى حصاد الأرض كلها.
وكان مشهد الغروب في اليوم الأخير مهيبًا.
وقفت الحصادات على أطراف الحقول، بينما تجمع الرجال يستعدون للرحيل.
تقدم أحمد نحوهم وهو يحاول أن يشكرهم، لكن الكلمات خانته.
قال أحد المزارعين إحنا ما عملناش حاجة.
وقال آخر أبوك كان هيعمل أكتر من كده لو حد فينا مكانه.
ثم رحلوا كما جاءوا.
بهدوء.
ودون انتظار أي مقابل.
في تلك الليلة جلس أحمد فوق سطح البيت يتأمل القمر.
شعر
لأول مرة أن والده لم يتركه فقيرًا كما كان يظن.
لقد ترك له ثروة أكبر من الأرض والمحاصيل.
ترك له محبة الناس.
وأدرك أن الإنسان قد يقضي عمره يجمع المال، لكن المال وحده لا يجلب الرجال وقت الشدة. أما القلوب التي كسبها بالمعروف والإحسان فهي التي جاءت تركض عندما احتاجت أسرته إليها.
ومنذ ذلك اليوم أصبح أحمد يردد لأبنائه
الأرض تورث قمحًا وذرة، لكن الأخلاق تورث رجالًا.
مغزى القصة قد يظن البعض أن المعروف يضيع، وأن الطيبة لا قيمة لها في زمن المصالح، لكن الحقيقة أن الخير لا يختفي، بل يعود إلى صاحبه في الوقت الذي يكون فيه أشد حاجة إليه. فالثروة الحقيقية ليست فيما نملكه من مال، بل
فيما نزرعه من محبة ومواقف صادقة في قلوب الناس.
بعد أن رحل آخر الجرارات عن الحقول، وخفت ضجيج المحركات الذي ملأ المكان يومين كاملين، عاد الهدوء إلى القرية من جديد. لكن ذلك الهدوء لم يكن كما كان من قبل.
كان هناك فراغ كبير تركه الحاج منصور في كل مكان.
في البيت، على المصطبة أمام الباب، في المسجد حيث كان يجلس بعد صلاة الفجر، وفي الحقول التي اعتادت أن ترى خطواته كل صباح.
مرت الأيام الأولى ثقيلة على الأسرة.
كانت أم أحمد تستيقظ أحيانًا قبل الفجر، ثم تتذكر فجأة أن زوجها لن يخرج إلى الأرض كعادته. فتجلس في فراشها صامتة، تنظر إلى السقف وتدعو له بالرحمة.
أما أحمد فكان يحمل
فوق كتفيه مسؤولية لم يشعر بثقلها الحصاد الأخير
انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
موقع أيام نيوز
من قبل.
ذات صباح دخل مخزن الغلال ليتفقد المحصول الذي تم جمعه.
وقف طويلًا يتأمل أكوام القمح.
تذكر والده وهو يحسب الإنتاج كل عام ويقول مبتسمًا
الرزق مش بالكثرة يا أحمد... الرزق بالبركة.
ابتسم رغم حزنه.
ولأول مرة شعر أن كلمات أبيه لم تكن مجرد نصائح عابرة، بل كانت خلاصة عمر كامل من التجربة.
بعد أسابيع قليلة، بدأ التجار يتوافدون لشراء المحصول.
جاء أحدهم وعرض سعرًا أقل من سعر السوق.
قال لأحمد
أنت لسه جديد في الشغل، والسوق اليومين دول مش مضمون.
وقبل أن يرد أحمد، ظهر عم سالم، أحد كبار مزارعي القرية.
قال للتاجر بهدوء
سعر السوق معروف يا حاج. وابن منصور مش صغير علشان حد يضحك عليه.
نظر التاجر إليه ثم غادر دون جدال.
تعجب أحمد.
فسأله
إنت
جيت منين يا عم سالم؟
ضحك الرجل وقال
إحنا اتفقنا من يوم ۏفاة أبوك إن محدش يسيبكم لوحدكم.
شعر أحمد بشيء دافئ

تم نسخ الرابط