الحصاد الأخير للحاج منصور

لمحة نيوز

في صدره.
مرة أخرى كان يرى ثمار ما زرعه والده طوال حياته.
مر عام كامل.
وبدأت الحياة تستعيد إيقاعها الطبيعي.
لكن أحمد كان يتغير من الداخل.
أصبح أكثر هدوءًا.
وأقل اندفاعًا.
وصار يراقب الناس بعين مختلفة.
كان يلاحظ كيف أن أباه لم يكن محبوبًا بسبب المال أو النفوذ.
بل لأنه كان حاضرًا عندما يحتاجه الآخرون.
وذات مساء جاءه شاب من القرية اسمه سيد.
كان يبدو مرتبكًا.
قال
يا أحمد... محتاج أستلف شوية فلوس.
تردد أحمد للحظة.
فالظروف لم تكن سهلة.
لكن الشاب أكمل كلامه
أمي تعبانة ولازم نشتري علاج.
تذكر أحمد موقفًا قديمًا.
كان يومها صغيرًا
عندما جاء رجل يطلب المساعدة من أبيه.
وكانت الأسرة نفسها تمر بضائقة مالية.
ومع ذلك أعطاه الحاج منصور ما يملك.
عندما سأله أحمد وقتها
ليه يا أبي؟
أجاب
يمكن ربنا باعتنا سبب لفرج واحد النهارده.
عاد أحمد إلى الواقع.
ودخل البيت.
ثم عاد بالمبلغ وأعطاه للشاب.
امتلأت عينا سيد بالدموع.
وقال
مش هنسى المعروف ده طول عمري.
ابتسم أحمد وقال
أنا كمان بسمع الجملة دي من سنين.
ومع مرور الوقت، بدأت سمعة أحمد تنتشر كما كانت سمعة أبيه.
ليس لأنه كان يحاول تقليده عمدًا.
بل لأنه بدأ يفهم طريقه.
أصبح يشارك في إصلاح المشكلات بين الناس.
ويزور المرضى.
ويساعد الفقراء قدر استطاعته.
وكان كلما فعل خيرًا شعر وكأن والده يبتسم له من مكان بعيد.
في أحد مواسم الشتاء،
تعرضت القرية لأزمة قاسېة.
هطلت أمطار غزيرة لأيام متواصلة.
وامتلأت بعض الأراضي بالمياه.
وخسر عدد من المزارعين جزءًا كبيرًا من محاصيلهم.
عم القلق بين الناس.
وخاف الجميع من موسم صعب.
في تلك الأيام جمع أحمد مجموعة من شباب القرية.
وقال لهم
إحنا لازم نساعد الناس اللي اتضررت.
رد أحدهم
لكن كل واحد عنده همومه.
أجاب أحمد
عارف... لكن لو كل واحد فكر في نفسه بس، البلد كلها هتغرق.
بدأ الشباب العمل.
نظموا حملات لمساعدة الأسر المتضررة.
وجمعوا تبرعات.
وساعدوا في إصلاح الجسور الصغيرة بين الحقول.
وبعد أسابيع بدأت الأزمة تنحسر.
وجلس شيخ كبير في المسجد يقول
الخير لسه موجود طول ما في ناس بتفكر زي منصور.
سمع أحمد العبارة.
فشعر بأن قلبه يرتجف.
لقد
أصبح اسم أبيه رمزًا للخير في القرية.
مرت خمس سنوات.
ثم عشر سنوات.
وكبر أبناء أحمد.
وأصبحوا الحصاد الأخير
انت في الصفحة 4 من 4 صفحات
موقع أيام نيوز
يرافقونه إلى الأرض كما كان يفعل هو مع أبيه.
وفي إحدى الأمسيات جلس ابنه الأكبر يوسف بجواره.
وسأله
يا أبي... ليه الناس كلها بتحب جدي رغم إنه ماټ من زمان؟
صمت أحمد قليلًا.
ثم نظر إلى الحقول الممتدة أمامهما.
كانت الشمس تغيب ببطء خلف الأشجار.
والهواء يحمل رائحة التراب الرطب.
قال
لأن جدك كان بيزرع حاجتين مش حاجة واحدة.
سأله يوسف
يعني إيه؟
أجاب
كان بيزرع القمح في الأرض... والرحمة في قلوب الناس.
ظل الصبي يفكر في الكلمات طويلًا.
ثم قال
وأيهما أهم؟
ابتسم أحمد.
وقال
القمح بيشبع الناس سنة... لكن الرحمة ممكن تعيش أجيال.
وفي العام الخامس عشر بعد رحيل الحاج منصور، قرر أهل القرية إقامة يوم سنوي للعمل التطوعي.
اختاروا له اسمًا لم يكن مفاجئًا
لأحد.
يوم الحاج منصور للخير.
في ذلك اليوم كان الجميع يشارك.
الكبار والصغار.
الرجال والنساء.
يقومون بإصلاح الطرق.
وزراعة الأشجار.
ومساعدة الأسر المحتاجة.
وأصبح ذلك التقليد يستمر عامًا بعد عام.
حتى إن القرى المجاورة بدأت تقلده.
وفي إحدى تلك السنوات، وقف أحمد على منصة صغيرة في ساحة القرية.
وكان شعره قد غزاه الشيب.
نظر إلى الوجوه الكثيرة أمامه.
ثم قال
من سنين طويلة كنت فاكر إن أبويا ساب لنا أرض ومحصول وبس.
وتوقف قليلًا.
وأضاف
لكن الحقيقة إنه ساب لنا حاجة أكبر بكتير.
سأله أحد الأطفال
إيه هي؟
ابتسم أحمد.
وأشار إلى الناس الواقفين حوله.
ثم قال
ساب لنا الناس دي.
ساد صمت جميل.
ثم ارتفعت الابتسامات في كل مكان.
وفي ليلة هادئة من ليالي
الخريف، عاد أحمد إلى الحقل الذي ټوفي فيه والده.
كانت شجرة الجميز القديمة ما تزال واقفة.
رغم مرور السنين.
جلس تحتها وحده.
كما جلس أبوه ذات يوم.
تأمل السماء المرصعة بالنجوم.
واسترجع رحلة العمر كلها.
تذكر يوم الۏفاة.
ويوم الحصاد.
ووجوه الرجال الذين جاءوا من كل مكان.
وتذكر كيف كان يظن أن النجاح يقاس بعدد الأفدنة والأموال.
ثم اكتشف متأخرًا أن هناك مقياسًا آخر.
مقياسًا لا يظهر في دفاتر الحسابات.
ولا تكتبه البنوك.
ولا يمكن شراؤه.
إنه محبة الناس.
أغمض عينيه.
وشعر بنسمة هواء خفيفة تمر بين أغصان الشجرة.
وكأنها رسالة قديمة يعرف مصدرها.
ابتسم.
وقال بصوت خاڤت
اطمن يا أبي... البذرة لسه بتكبر.
ثم نهض ببطء.
وسار بين السنابل التي بدأت تستعد
لحصاد جديد.
وكان القمر يضيء الطريق أمامه.
تمامًا كما أضاءت سيرة الحاج منصور طريق أجيال كاملة بعد رحيله.
أما أهل القرية فظلوا يرددون حكاية ذلك الرجل كلما جاء موسم الحصاد.
يحكون كيف رحل قبل أن يجمع محصوله الأخير.
وكيف جاءت القلوب التي زرع فيها الخير لتحصد عنه.
وأصبح الأطفال يسمعون القصة من آبائهم وأجدادهم.
فتكبر معهم فكرة بسيطة وعظيمة في آن واحد
أن المعروف لا يضيع.
وأن الكلمة الطيبة قد تعيش أكثر من صاحبها.
وأن الإنسان لا يُقاس بما يملكه عندما ېموت، بل بما يتركه في قلوب الآخرين.
وهكذا انتهت رحلة الحاج منصور فوق الأرض.
لكن أثره لم ينتهِ.
فبعض الناس يرحلون بأجسادهم فقط.
أما أعمالهم الطيبة فتبقى تمشي بين الناس سنوات طويلة، كأنها
سنابل لا تعرف الذبول.
وكان ذلك هو الحصاد الأخير للحاج منصور...
وأجمل حصاد.
وصادقة تمت

تم نسخ الرابط