حفيدتي بالتبني اللي عندها 8 سنين كلمتني
نقطة. عديت الساعات لحد ما الفجر أذن، وحرارتها
بدأت تنزل أخيراً وراحت في نوم عميق، بس المرة دي نوم هادي ومنتظم.
الساعة بقت 7 الصبح. تليفوني رن.
مروة.
رديت وصوتي كان أهدى من العاصفة.
أيوة يا مروة.
جالي صوتها من الناحية التانية، وفي الخلفية صوت فيروز وصوت موج البحر صباح الخير يا بابا.. معلش بكلمك بدري، بس وائل قلقان شوية. هي سجدة كلمتك؟ أصلها مبتردش على تليفونها، وأنا كنت سايبة لها نوتة تفكرها بالدوا.
قلت لها بنبرة خالية من أي مشاعر سجدة معايا في المستشفى يا مروة.. في الرعاية المركزية.
الخط قطع لثواني، بعدين سمعت صوت وائل وهو بيخطف التليفون مستشفى إيه يا بابا؟! سجدة مالها؟ احنا سايبين لها كل حاجة!
قلت له سايبين لها ورقة بتقولوا لها فيها متعمليش حوار وماتنكديش على أخوكي؟ سايبين بنت عندها 8 سنين لوحدها في البيت وحرارتها 40؟
وائل صوته اتهز يا بابا مروة قالت لي إنها بتدلع عشان متسافرش، وقالت لي إنها هتبقى كويسة وعطيتها خافض حرارة..
قاطعته مروة قالت.. وأنت مشيت ووافقت وسيبت بنتك. اسمع يا وائل، أنتوا هتقطعوا رحلتكم حالا وترجعوا. بس مش عشان تاخدوا سجدة.. سجدة مش هتعتب بيتكم تاني. أنا بلغت حماية الطفل باللي حصل، والورقة والترمومتر وصور الأوضة والتكييف المظبوط على وضع الإجازة بقوا في حرز محضر رسمي.
وائل بدأ يعيط يا بابا أرجوك متخربش بيتي! دي غلطة.. احنا كنا عايزين كريم يفرح..
قلت له بجمود وك
ريم فرح على حساب أختك؟ البيت
اللي يفرح طفل ويكسر طفل تاني ميبقاش بيت.. يبقى زنزانة. أنا قضيت عمري بدافع عن حقوق أطفال غُرب، ومش هسيب حفيدتي تتدمر تحت سقف بيتك. ارجعوا، بس اجهزوا للمساءلة القانونية.
قفلت السكة في وشه.
بصيت لسجدة، لقيت فتحت عيونها بالراحة.. النور بدأ يرجع لوشها الصغير. سألتني بصوت دافي جدو.. أنا هقعد معاك علطول؟
بست قورتها اللي بدأت تبرد وقلت لها علطول يا قلب جدو.. ومحدش في الدنيا هيحسسك تاني إنك زيادة، أو إنك مش مكانك هنا.
لأن البيوت مش بالحيطان المنورة في الكومباوندات، البيوت بالدفا والأمان اللي بنحسه جواها.
بعد ساعات، وصل وائل ومروة للمستشفى. مروة كانت بتحاول تداري عيونها المنتفخة من العياط، ووائل كان وشه باهت، باين عليه إنه مش مصدق إن بيته المثالي انهار في ليلة وضحاها.
وقفت في طريقهم قبل ما يوصلوا لأوضة سجدة، وكنت ماسك في إيدي ظرف فيه نسخة من التقرير الطبي وورقة مروة اللي سابتها، اللي بقت دلوقتي مستند إدانة.
مروة حاولت تتكلم بصوت مهزوز يا بابا.. دي سوء تفاهم. احنا سيبنا لها أكل ودوا، مكنش قصدنا.. احنا كنا بنحاول ندي كريم يوم ميلاد...
قاطعتها بصوت ثابت، صوت
رجل شاف بلاوي الدنيا في شغله ومبقاش يتهز من دموع التماسيح الورقة دي مش سوء تفاهم يا مروة. الورقة دي اعتراف بجريمة. الأمانة مش بس أكل ودوا، الأمانة هي إنك تحسسي الطفلة إنها جزء منك، مش عالة عليكي. سجدة دي طفلة يتيمة، ربنا سخرنا نكون أهلها، مش عشان نكسرها ونحطها في خانة الاحتياط لما كريم يحتاج فسحة.
وائل حاول يتدخل، صوته كان مخنوق يا بابا، سجدة بنتنا.. إحنا اللي مربينها.
بصيت له بأسى، وقلت له التربية مش بالاسم يا وائل، التربية بالرحمة. أنت سكتَّ، وده في حد ذاته خيانة لأمانتك كأب. أنا مش جاي هنا عشان أتخانق، أنا جاي عشان أبلغكم إن إجراءات حضانة سجدة هتتحول
قانونياً ليا. حماية الطفل جالهم إخطار من المستشفى، والتحقيق بدأ.
مروة بدأت تنهار، وبدأت تبرر وتلوم الظروف، بس كلامها كان بيخبط في حيطة سد. لولا إن المستشفى مكان عام، كنت هقول كلام أقسى بكتير.
البداية الجديدة
سجدة خرجت من المستشفى بعد يومين. مروحتش معاهم، روحت معايا بيتي الصغير، اللي كان طول عمره هادي، بس دلوقتي كان دافي بوجودها.
أول ليلة في البيت، سجدة كانت خايفة تنام. قعدت جمبها، ومسكت إيديها الصغيرة.
سألتني بصوت واطي يا جدو.. أنا هفضل هنا؟ ولا هما هيجوا ياخدوني؟
ضميتها لحضني، وشمت ريحة الشامبو اللي لسه في شعرها، ريحة الأمان اللي اتسرق منها. قلت لها يا حبيبة جدو، مفيش حد هياخدك من هنا. البيت ده بيتك، وأنا اللي بختاره، والبيت ده مش محتاج حد عشان يكمل، هو كامل بيكي.
مرت الشهور، والقضية كانت طويلة ومرهقة، بس في الآخر، القانون أنصفها. سجدة بقت في حضانتي رسمي، والزيارات بقت محدودة وتحت إشرافي أنا، عشان أتأكد إنها مش هتنجرح تاني.
سجدة دلوقتي كبرت شوية، لسه بتحب الكواكب، ولسه بتشكر الناس لما يناولها الملح. بس الفرق إن ملامحها اتغيرت، الخوف اللي كان في عينيها اختفى، وحل محله لمعة طفلة عارفة إنها غالية.
علمتني سجدة درس مش هنساه، ودرس أتمنى كل أب وأم يتعلموه
البيت مش مجرد جدران أو عفش أو كومباوند غالي. البيت هو المكان اللي روحك فيه بتلاقي مأمنها، والبيت اللي فيه طفل حاسس إنه عبء، هو في الحقيقة بيت فاضي، حتى لو كان مليان ناس.
أنا كبرت، وسجدة كبرت، واللحاف الأصفر اللي كان عليه أقمار، لسه لحد النهاردة موجود على سريرها في أوضتها الجديدة.. أوضة جدها، اللي بقت أحلى وأدفا مكان في الدنيا.