رواية زهره في جوف العتمه الحلقه الأولي بقلم نور محمد

لمحة نيوز

رواية زهره في جوف العتمه الحلقه الأولي بقلم نور محمد 
يا أيوب، بلاش تعاند يا ابني! الليل دخل والمطر زاد، والخرابة دي مسكونة، سيب النعجة لبكرة، مش هتموت يعني!
صوت عم راضي العجوز كان بيرتجف وهو بيحاول يمسك دراع أيوب اللي كان بيشد شاله الصوف على كتافه العريضة.
التفت أيوب وابتسم ابتسامة هادية، ملامحه السمرا البسيطة كانت بتعكس نور خافت من لمبة الجاز اللي متعلقة على باب الكوخ.
يا عم راضي، دي روح، وربنا هيحاسبني عليها. النعجة دي لو باتت في البرد والضلمة دي لوحدها، الديابة هتاكلها، ولو عاشت هتموت من الرعب. مقدرش أحط راسي على المخدة وأنام وأنا عارف إن في روح بتتعذب وأنا قادر أساعدها.
يا ابني قصر الخواجة القديم ده مهجور من يجي عشرين سنة! بيقولوا فيه جن وعفاريت، ومحدش بيهوّب ناحيته بعد المغرب. يا أيوب اسمع الكلام، أنا خايف عليك!
ربت أيوب على كتف الراجل العجوز بحنية وقال بصوت مليان يقين قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا يا عم راضي. خليك إنت هنا في الدفا، وأنا هجيبها وآجي بسرعة. لا عفريت ولا جن يقدر يضر إنسان طول ما قلبه عمران بذكر الله.
مشى أيوب النبوي، الشاب اللي عمره 28 سنة، في طريق طين بيزحلق، والمطر بينزل زي السيول بيغسل الأرض.
كان شغال في مزرعة كبيرة على أطراف قرية معزولة، شاب حاله من حاله، ملوش في الدنيا غير شغله وصلاته ورضا ربنا. خطواته كانت ثابتة رغم العاصفة، لحد ما وصل ل قصر الخواجة، مكان مهجور، جدرانه متشققة، والأشجار حواليه كبرت لدرجة إنها خنقت المكان كله.
نور الكشاف الصغير اللي في إيده كان بيقطع الضلمة بصعوبة. دخل من البوابة المكسورة، وبدأ ينده بصوت عالي
يا زينة! إنتي فين يا زينة؟
صوت الرعد غطى على صوته، بس فجأة، ودنه لقطت صوت تاني. مش صوت نعجة بتأمأم.. لا. ده صوت أنين. أنين مكتوم، ضعيف، بيرتجف، كأنه طالع من تحت الأرض.
وقف أيوب مكانه، وقلبه دق بسرعة. قرأ آية الكرسي في سره، ووجه الكشاف ناحية الصوت.
الصوت كان جاي من بدروم القصر، مكان السلالم بتاعته مكسرة ومردومة بالتراب وورق الشجر.
نزل أيوب السلالم بحذر، الطين كان بيخليه يتزحلق بس كان بيمسك في الحيطة. وصل لباب قديم، مقفول بقفل مصدي وجنزير تقيل.
الأنين كان جاي من جوه. أنين بشري مية في المية!
بسم الله الرحمن الرحيم.. في حد جوه؟ سأل أيوب بصوت عالي.
الأنين وقف فجأة، وحل مكانه صوت خربشة سريعة زي ما يكون حيوان بيحاول يحفر في الحيطة عشان يهرب.
أيوب مقدرش يستنى. رفع حجر كبير من الأرض، وبكل قوته اللي اكتسبها من الشغل في الغيط، نزل بيه على القفل المصدي. ضربة، التانية، التالتة.. لحد ما القفل اتكسر والجنزير وقع على الأرض برنة مكتومة.
زق الباب برجله، الباب طلع صوت مزعج وهو بيتفتح. ريحة المكان ضربت في وشه.. ريحة عفونة، ورطوبة، وقلة نضافة.
وجه كشافه لجوه، وكانت الصدمة اللي شلت تفكيره.
في زاوية الأوضة الضلمة، كانت في كتلة بتترعش. لما النور جه عليها، الكتلة دي صرخت صرخة مكتومة ورفعت إيديها الاتنين تغطي وشها.
يا رب سترك! إيه ده؟ همس أيوب وهو بيرجع خطوة لورا.
دي مكنتش جنية ولا عفريتة.. دي كانت بنت! بنت ملامحها متغطية بطبقات من التراب والهباب، لابسة خرق مقطعة وواسعة عليها كانت في يوم من الأيام عباية أو فستان، شعرها أسود وطويل جداً، بس منكوش ومتشابك زي عش الغراب.
إنتي.. إنتي بنت؟ بتعملي إيه هنا؟ سأل أيوب وصوته بيرتجف من هول المنظر.
البنت ماردتش. كانت بتلزق نفسها في الحيطة أكتر، كأنها بتدعي إن الحيطة تبلعها. جسمها كله كان بينتفض من الخوف، وصوت أسنانها وهي بتخبط في بعضها كان مسموع في الأوضة.
أيوب نزل على ركبته ببطء عشان ميخوفهاش، وحط الكشاف على الأرض بحيث ينور المكان بس ميعميش عينيها.
متخافيش.. أنا مش هأذيكِ. والله ما هأذيكِ. قالها بصوت هادي جداً، زي ما بيكلم طفل صغير أو عصفور مكسور الجناح.
مد إيده ناحيتها ببطء. أول ما إيده قربت منها، البنت كشرت، وطلعت صوت غريب من حنجرتها، صوت زي قطة مرعوبة محصورة في زاوية، وهجمت على إيده خربشتها بضوافرها الطويلة اللي مأستحمتش من سنين.
آآه! أيوب سحب إيده بسرعة، بص للدم اللي طلع من الخدش، وبعدين بصلها.
لما البنت شافت الدم، اتراجعت بسرعة البرق، وحطت إيديها على راسها كأنها بتستعد لضربة قوية، وبدأت تطلع أصوات بكاء بدون دموع، مجرد أنين متقطع ومؤلم.
قلب أيوب اتعصر. نسي الوجع، ونسي المطر، ونسي الدنيا كلها. البنت دي مش مجرد خايفة.. البنت دي مرعوبة رعب مش طبيعي، كأنها متعودة إن أي حركة معناها ضرب وإهانة.
في اللحظة دي، النور الخافت عكس ملامحها من تحت التراب المتراكم. أيوب اتصمر مكانه. رغم كل البهدلة، ورغم الحالة اللي هي فيها، البنت دي كانت بتملك جمال مش من الدنيا دي. عيونها كانت واسعة جداً، لونها مزيج غريب بين الأخضر والعسلي، مرسومة برموش تقيلة وكثيفة، بشرتها رغم الطين كانت بيضا زي التلج في الأماكن اللي مش متوسخة، وملامحها دقيقة زي الملايكة.
جمال يفتن الحجر، بس مدفون تحت سنين من العذاب والقهر والظلام.
لا حول ولا قوة إلا بالله.. مين اللي عمل فيكِ كده؟ ومين رماكِ الرمية دي؟ دموع أيوب نزلت غصب عنه وهو بيبصلها.
قلع الجاكت الصوف بتاعه، وبدأ يقرب منها تاني، بس المرة دي وهو بيقرأ قرآن بصوت هادي وجميل ألا بذكر الله تطمئن القلوب...
الصوت.. صوته الهادي الحنون، والكلمات اللي طالعة من قلبه، خلت البنت تبطل ، بس لسه بتترعش. عيونها الواسعة كانت بتراقبه بحذر شديد، زي ما تكون أول مرة في حياتها تشوف كائن بشري مبيصرخش فيها ولا بيضربها.
أيوب رمى الجاكت عليها ببطء عشان يغطي جسمها اللي بيكشفه القماش الممزق. البنت شهقت، ومسكت في الجاكت بقوة، شمته بحدة، وبعدين لفت نفسها بيه بقوة.
تعالي معايا.. مقدرش أسيبك هنا.. المكان ده مش لبني آدمين. قالها أيوب وهو بيمد إيده تاني، بس المرة دي فضل فاتح كفه ومستني.
البنت بصت لإيده، وبعدين بصت لوشه. كانت مش فاهمة هو بيقول إيه. الكلمات بالنسبة لها كانت مجرد أصوات.
أيوب أدرك إنها مش بتفهم كلامه. يا الله! دي مابتتكلمش؟ ولا مبتفهمش؟ فكر في نفسه.
شاورلها على الباب المفتوح، وبعدين شاور على نفسه وعليها. هنخرج.. بره.. نور.. أكل.
لما قال كلمة أكل، عيون البنت لمعت للحظة. بلعت ريقها بصعوبة، وحطت إيدها على بطنها الضامرة.
أيوب مد إيده في جيبه، وطلع نص رغيف عيش كان واخده معاه عشان ياكله في الطريق. قطم حتة منه، وكلها قدامها عشان يطمنها، وبعدين مد إيده بالباقي ناحيتها.
البنت خطفت العيش من إيده بسرعة البرق، وبدأت تاكل بشراهة وجنون،

تم نسخ الرابط