رواية زهره في جوف العتمه الحلقه_الثالثه_والرابعه بقلم نور محمد حصريه وجديده
رواية زهره في جوف العتمه الحلقه_الثالثه_والرابعه بقلم نور محمد حصريه وجديده
كلب..كلب.. س.. سنان! سنان بتنهش لحم.. عتمة لا.. أيوب.. خبي فتنة!
الكلمات طلعت من بين شفايفها المرتجفة زي طلقات الرصاص، متقطعة، مليانة رعب.
عينيها الخضرا وسعت لدرجة جدا، وجسمها كله اتنفض كأن تيار كهربا مسك فيها.
مكنتش بتبص لأيوب، كانت بتبص للباب بتاع الكوخ، ودانها اللي اتدربت على السمع في الضلمة لقطت صوت نباح الكلاب قبل ما أيوب نفسه يركز معاه.
كانت بتكش في نفسها، بترجع لورا لحد ما لزقت في الحيطة، وبدأت تخربش في الجدار بضوافرها المقصوصة كأنها بتحاول تحفر لنفسها مخبئ تستخبى فيه من الكلاب اللي جاية.
أيوب وقف مكانه للحظة، الدم هرب من عروقه.
الكلمات اللي قالتها مكنتش مجرد هلوسة، دي كانت ذكريات. يعني الناس اللي حابسينها كانوا بيسلطوا عليها الكلاب عشان يخوفوها ويقهروها!
الرعب اللي في عينيها كان كفيل يخلي جبل يتهد، فما بالك بقلب الشاب البسيط اللي معندوش أي سلاح يحميها بيه غير يقينه في ربنا.
نباح الكلاب بدأ يعلى أكتر، وصوت مواتير العربيات الجيب بقت قريبة جداً، الطين كان بيطرطش تحت عجل العربيات كأنهم داخلين حرب، مش بيدوروا على بنت ضعيفة.
أيوب اتحرك بسرعة البرق. راح ناحية سريره، وشال المرتبة القطن ورماها على الأرض، وبعدين شال الحصيرة الخوص القديمة اللي تحتها.
كان في باب خشب مربع في الأرض، متداري في طينة الأوضة، دي كانت صومعة صغيرة، حفرة كان أيوب بيخزن فيها شكاير الغلة والبطاطس عشان متسوسش من الرطوبة، مكان ضيق جداً، وضلمة كحل.
فتحه بسرعة ولف لفتنة اللي كانت بتترعش وبتشد في شعرها. راح ناحيتها، نزل على ركبه ومسك كتافها بقوة عشان يفوقها من نوبة الرعب.
فتنة! بصيلي! بصي في عيني! قالها بصوت حازم بس واطي، كأنه بيهمس في روحها.
البنت بصتله، عينيها كانت مليانة دموع محبوسة.
الكلاب مش هتدخل هنا. أنا مش هسمحلهم يلمسوكي. بس لازم تستخبي تحت.. في الحفرة دي. شاورلها على الصومعة.
أول ما شافت الحفرة الضلمة، صرخت صرخة مكتومة، وهزت راسها بعنف يمين وشمال. لا.. لا.. عتمة لا.. قبر.. لا!
الكلمات كانت بتطلع منها بالعافية، بس معناها كان واضح. العتمة بالنسبة لها موت، رجوع للسجن اللي عاشت فيه.
صوت فرامل العربيات ضرب بره الكوخ، وأصوات رجالة غليظة بدأت تزعق وتدي أوامر.
يا فتنة مفيش وقت! أيوب قلبه كان بيتقطع.
مكنش قدامه حل تاني. مسكها من إيديها وشدها ناحية الحفرة، البنت قاومت بشراسة، بس جسمها الضعيف مكنش ند لقوته. نزلها جوه الحفرة اللي يادوب تكفيها وهي قاعدة متكورة.
وهي بتبكي وبتترجاه بعينيها إنه ميسيبهاش في الضلمة، أيوب طلع المسبحة بتاعته من جيبه، مسبحة خشب ريحتها مسك كان دايماً بيسبح عليها، وحطها في إيديها اللي بتترعش، وقفل عليها كفها.
ريحة المسك دي ريحتي.. طول ما السبحة دي في إيدك، أنا معاكي. أنا فوقك بالظبط. اقرأي في سرك الله نور السماوات والأرض، الضلمة دي حماية مش سجن. متطلعيش صوت.. أبوس إيدك متطلعيش صوت.
قفل الباب الخشب عليها بسرعة قبل ما يشوف نظرة الانكسار في عينيها اللي كانت هتدمره.
فرد الحصيرة، ورجع المرتبة مكانها، وقعد على السرير، وسحب بطانية حطها على رجله كأنه كان نايم.
في اللحظة دي، باب الكوخ انضرب برجلة قوية، طار على إثرها القفل الضعيف، واتفتح الباب على مصراعيه عشان يدخل منه تيار هوا بارد، معاه تلات رجالة ضخام، لابسين بالطوهات سودة، وماسكين كشافات قوية، وواحد فيهم ماسك كلب ضخم بسلسلة حديد. الكلب كان بيهوهو بشراسة وبيلف في المكان.
مين هنا؟! صرخ أضخم واحد فيهم، صوته كان مخيف.
أيوب عمل نفسه بيتنفض من النوم، قام من على السرير وهو بيمسح عينيه كأنه مخضوض. يا ساتر يا رب! مين؟ إيه يا بهوات في إيه؟ إنتوا مين ودخلتوا هنا إزاي؟
الراجل الضخم قرب منه، كشافه ضرب في وش أيوب وعماه. إنت اللي عايش في الخرابة دي لوحدك؟
أ.. أيوه يا باشا. أنا غفير المزرعة دي، شغال هنا بقالي تلات سنين. في حاجة ضاعت منكم؟ أيوب كان بيحاول يخلي صوته يرتجف، مش من الخوف منهم، بس من الخوف على الروح اللي مدفونة تحت رجليهم.
الراجل بصله من فوق لتحت باشمئزاز. في بنت هربانة.. أو بالأصح، كلبة هربانة. شفتها؟ أو لمحت حد غريب بيلف حوالين قصر الخواجة؟
قصر الخواجة؟ أيوب عمل نفسه مرعوب وبلع ريقه بصعوبة. يا بيه المكان ده مسكون، أنا مبمشيش من الناحية دي أبداً بعد المغرب. بنت إيه اللي هتروح هناك؟
الراجل مردش، شاور للي ماسك الكلب. إفلت الكلب يشمشم المكان.
الرعب نهش قلب أيوب حرفياً. الكلب بدأ يشم في أركان الكوخ. راح ناحية الطشت اللي كانت فتنة بتستحمى فيه، شمه وزمجر. أيوب حس إن روحه بتنسحب.
الكلب شامم حاجة هنا. قال الراجل اللي ماسك السلسلة.
أيوب اتدخل بسرعة وهو بيحاول يبتسم بعبط ده طشت الماية يا بيه، كنت بدبح فرخة وبنضفها الصبح، تلاقي الكلب شامم ريحة الدم والزفارة.
الكلب ساب الطشت، وبدأ يقرب من السرير.. المكان اللي تحته فتنة بالظبط. الكلب بدأ يشم في الأرض، وزمجر بصوت واطي، وبدأ يخربش في الحصيرة.
الزمن وقف. كل دقة قلب في صدر أيوب كانت بتضرب زي طبلة الحرب. البنت تحت لو صرخت، لو طلعت صوت واحد، كل حاجة هتنتهي.
شكله لقى حاجة تحت السرير ده. الراجل الضخم طلع مسدسه من جيبه وشال الأمان، ووجهه ناحية أيوب.
إرفع المرتبة دي.. ببطء.
أيوب غمض عينيه ثانية واحدة، يا رب استرها.. يا رب اجعل من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا، دعا في سره بيقين الميت اللي بيطلب الروح.
مد إيده عشان يرفع المرتبة.. وفي اللحظة دي، أيوب لمح براد الشاي اللي كان بيغلي على البوتاجاز الصغير وراه. بدون تفكير، وبحركة مقصودة تبان إنها عفوية من الخضة، رجع خطوة لورا وهو بيرفع المرتبة، خبط البوتاجاز برجله، البراد اتقلب، والماية المغلية نزلت كلها على الأرض.. وجزء منها طرطش على رجل الكلب.
الكلب صرخ صرخة وجع، ونط لورا وهو بيعوي، وبدأ يلف حوالين نفسه بجنون.
يا غبي! إنت أعمى؟ صرخ الراجل الضخم، ورفع إيده ونزل بظهر المسدس على جبهة أيوب بكل قوته.
الضربة كانت قاضية. أيوب وقع على الأرض، والدم انفجر من جبينه وغطى نصه وشه، بس وهو بيقع، رمى جسمه فوق الحصيرة، فوق المكان اللي تحته فتنة بالظبط، كأنه بيغطيها بدمه ولحمه.
الراجل اللي ماسك الكلب كان بيحاول يسيطر عليه. يا ريس الكلب اتلسع ومش نافع يشم حاجة تاني، ريحة الشاي والماية المغلية غطت على أي ريحة في الأوضة، والكلب اتجنن.
الراجل الضخم بص لأيوب اللي واقع على الأرض بينزف وبيئن، تف على الأرض بقرف.
عيل فلاح غبي. يلا بينا، مفيش حاجة هنا. البت دي أكيد ماتت في المطر أو الديابة كلتها. الباشا لازم يعرف إننا قلبنا الدنيا.
خرجوا من الكوخ، ورزعوا الباب المكسور وراهم.
صوت العربيات بدأ يبعد، بس أيوب فضل مكانه على الأرض، دمه بينزف وبيختلط بتراب الكوخ. مكنش حاسس بوجع الضربة، كان حاسس براحة غريبة.. إنهم مشيوا.
فضل نايم على الأرض دقايق يتأكد إن الصوت اختفى تماماً. بصعوبة، سند على إيديه وقام. راسه كانت