رواية زهره في جوف العتمه الحلقه_الثالثه_والرابعه بقلم نور محمد حصريه وجديده
المحتويات
بتلف، والدم كان مغطي عينه اليمين. زحف ناحية السرير، شال المرتبة، ورفع الباب الخشب.
فتنة.. همس بصوت ضعيف ومبحوح.
بص جوه الحفرة. كانت متكورة على نفسها زي الجنين، حاطة إيديها على ودانها، وضامة المسبحة الخشب على صدرها بقوة لدرجة إن خرزاتها طبعت على جلدها. مكنتش بتتحرك، كأنها قاطعة النفس.
فتنة.. اطلعي.. مشيوا خلاص.. أمان.
لما سمعت صوته، رفعت راسها ببطء. أول ما شافت النور، عينيها رفت بسرعة، بس لما شافت وش أيوب المتغطي بالدم، شهقت شهقة قطعت قلبه.
أيوب مد إيده عشان يطلعها، بس هي اللي نطت من الحفرة بسرعة غريبة. مقعدتش تعيط وتترعش زي عادتها.
وقفت قدامه، وبصت للدم اللي بينزف من جبهته. عينيها الخضرا كان فيها نظرة جديدة.. مش نظرة رعب، نظرة حزن عميق.. نظرة إدراك.
هي شافت من شق صغير في الخشب كل اللي حصل. شافت إزاي الراجل ضربه، شافت إزاي أيوب رمى نفسه فوقها عشان يحميها، شافت الدم اللي نزل بسببها. لأول مرة في حياتها المليانة عذاب، تشوف حد بيتأذي عشانها مش بيأذيها.
رفعت إيدها المرتجفة ببطء شديد، وقربتها من وشه. أيوب مكنش قادر يتحرك من الدوخة، سابها تعمل اللي هي عاوزاه. صوابعها الناعمة لمست جبهته، مسحت الدم اللي نازل على عينه برقة متناهية، كأنها بتلمس جرح طير.
لما لقت الدم جه على صوابعها، بصتله بذهول، وبعدين بصت في عين أيوب، ونطقت كلمة واحدة.. كلمة طلعت من أعمق نقطة في روحها، واضحة وقوية ورنت في البيت كله
أيوب... وجع؟
أيوب ابتسم رغم الألم، دموع سخنة نزلت من عينيه السليمة واختلطت بالدم. لا يا فتنة.. مش وجع.. فداكي روحي.
فجأة، البنت اترمت في حضنه، لفت دراعاتها الرفيعة حوالين رقبته، وخبّت وشها في صدره، وبدأت تبكي.. مش صراخ الرعب.. بكاء طبيعي. بكاء واحدة لقت الأمان اللي اتحرمت منه عمرها كله. كانت بتبكي على سنين العتمة، وعلى الدم اللي نزل عشانها، وعلى الحضن اللي أخيراً لقت فيه الحياة.
أيوب حط إيده على ضهرها بيطبطب عليها، وهو ساند راسه على الحيطة. عرف في اللحظة دي إن حياته القديمة الهادية انتهت للأبد. هو دلوقتي مش بس غفير مزرعة، هو حارس على روح رجعت من الموت.
إحنا مش هينفع نفضل هنا يا فتنة. قالها أيوب بصوت واطي وهو بيبص من الشباك على نور الصبح اللي بدأ يفرش الأرض. لو رجعوا تاني بالنهار مش هننجا. أنا لازم أخدك ونمشي من هنا.. لأي مكان ميعرفوش طريقنا فيه.
فتنة مكنتش فاهمة كلامه بالظبط، بس كانت فاهمة نبرة صوته. شدت على حضنه أكتر، وقالت بصوت متقطع أيوب.. فتنة.. سوا.
سوا يا فتنة.. لآخر نفس.
قام أيوب، غسل جرحه وربط عليه حتة قماش نضيفة. لم هدومه القليلة، ومصحفه، والفلوس اللي كان محوشها من شغله، وحطهم في كيس قماش.
جاب عباية سودة واسعة من بتوع والدته الله يرحمها كان محتفظ بيها للذكرى، ولبّسها لفتنة عشان يداري هدومها وشعرها وجمالها اللي ممكن يجبلهم مصايب في السكة، ولف طرحة كبيرة على وشها مبينتش غير عينيها.
مسك إيديها الاتنين، وبص في عينيها. من اللحظة دي، مفيش عتمة تاني. بس لازم تبقي شاطرة، وتمسكي في إيدي جامد، ومتبعديش عني مهما حصل. فاهمة؟
هزت راسها بالموافقة، ومسكت في إيده كأنها بتمسك في حبل النجاة.
فتحوا باب البيت، وخرجوا تحت نور شمس. طريق طويل مجهول مستنيهم، ومعركة بقاء بين شاب أعزل قلبه مليان إيمان،ووحوش مش هيرتاحوا غير لما يرجعوا فتنة لضلمة تاني.. أو يقتلوهم هما الاتنين.
الحلقه_الرابعه
رحمة أبويا وعزة جلال الله.. لو البت دي ما رجعت قبل ما شمس بكرة تغيب، لأدفنكم كلكم بالحيا في نفس الخرابة اللي ضيعتوها فيها! إنتوا فاهمين؟
الصوت كان طالع مخيف من بين شفايف عزت بيه، الراجل اللي قاعد ورا مكتب فخم من خشب في ڤيلا معزولة على أطراف البلد.
قدامه كان واقف الراجل الضخم بتاع الليلادي، اللي ضرب أيوب، وكان واقف بيرتجف زي ورقة شجر في مهب الريح رغم ضخامته.
يا باشا.. ياعزت بيه، احنا قلبنا الخرابة حتة حتة. الكلب اتعمى من الماية المغلية اللي دلقها الغفير الغبي ده، ومبقاش نافع يشم حاجة. البت فص ملح وداب، كأن الأرض انشقت وبلعتها!
عزت بيه قام من مكانه ببطء، وضرب بإيده الاتنين على المكتب لدرجة إن طفاية السجاير اتهزت.
البت دي لو ظهرت في النور، أو حد عرف هي مين، حبل المشنقة هيلف حوالين رقبتي ورقبتك! دي فتنة مرزوق! إنت ناسي إحنا عملنا إيه في أبوها من 15 سنة؟ ناسي الملايين اللي أخدناها عشان ندفنها في الضلمة دي ونسبها عايشه ليه؟ الغفير اللي بتقول عليه غبي ده، تجيبهولي متكتف، ولو كان هرب، تقلبوا عليه محطات القطر ومواقف الميكروباصات. اقتلوه ورموا جثته للكلاب، وهاتوا البت!
في نفس الوقت ده، كان أيوب ماشي على طريق ترابي متفرع بين الغيطان، ماسك إيد فتنة بقوة.
العباية السودة الواسعة اللي لبسهالها كانت مخبية تفاصيل جسمها، والطرحة الكبيرة لاففها حوالين وشها ومفيش باين منها غير عينيها الخضرا اللي كانت بتتحرك في كل اتجاه برعب جنوني.
حالة فتنة. بالنسبة لأي بني آدم طبيعي، السما الواسعة، الغيطان الخضرا، العصافير اللي بتطير، وصوت الهوا.. دي كلها حاجات مريحة.
لكن بالنسبة لفتنة، العالم ده كان عبارة عن وحش عملاق بيهجم عليها. هي عاشت ١٥ سنة في زاوية ضلمة، مساحتها متتعداش مترين في مترين.
عينها متعودتش على النور القوي، ودانها متعودتش على الأصوات المتداخلة. المساحة الواسعة كانت بتخنقها. حست إن مفيش سقف يحميها، إنها مكشوفة وعريانة قدام دنيا مرعبة.
فجأة، فتنة وقفت مكانها. جسمها بدأ يتخشب، وركبتها سابت. وقعت على الأرض في التراب، وحطت إيديها الاتنين فوق راسها كأنها بتحاول تحمي نفسها من السما اللي هتقع عليها.
بدأت تطلع أنين مكتوم ومؤلم، أنين طفل بيحتضر.
أيوب نزل على ركبه جنبها فوراً. جرح راسه كان بينبض بوجع رهيب مع كل حركة، والدم اللي نشف على حتة القماشة اللي رابط بيها راسه كان مخليه حاسس بتقل في دماغه، بس كل ده اتبخر لما شاف حالة الرعب اللي هي فيها.
فتنة.. فتنة مالك ردي عليا. همس أيوب وهو بيحاول يشيل إيديها من على راسها.
سما.. هتقع.. لا.. لا.. عتمة.. رجع فتنة للعتمة تاني! كانت بتهمس بكلمات متكسرة وهي بتضغط على عينيها عشان متشوفش النور.
قلب أيوب اتعصر. هي بتطلب ترجع للعتمه لأن العتمه هي الحاجة الوحيدة اللي تعرفها. العالم ده كبير عليها أوي. أيوب أدرك إنها مستحيل تقدر تمشي للمحطة اللي لسه فاضل عليها أكتر من تلاتة كيلو.
بدون أي تردد، أيوب لف ضهره ليها، ونزل على ركبه أكتر. اطلعي على ضهري يا فتنة. امسكي فيا جامد وخبي وشك في رقبتي. أغمضي عينيكي وماتفتحيهاش مهما حصل. اعتبري نفسك لسه في الضلمة، بس الضلمة دي بتاعتي أنا، ضلمة أمان مش سجن.
البت بصتله بتردد، بس ريحة المسك اللي كانت طالعة من هدومه، نفس الريحة اللي كانت في السبحة اللي أنقذتها، طمنتها. زحفت ببطء، ولفت دراعاتها الرفيعة حوالين رقبته، ودفنت وشها في كتفه، وغمضت عينيها بقوة.
أيوب سند على ركبه وقام. وزنها كان خفيف، بس الإرهاق اللي
متابعة القراءة