رواية زهره في جوف العتمه الحلقه_السادسه بقلم نور محمد حصريه وجديده

لمحة نيوز

وحتة القماشة اللي مليانة من دم أيوب.
أيوب.. نار.. ماية مفيش.. أيوب هيموت.
الكلمات طلعت منها متكسرة، بتشهق وهي بتقولها، وصوتها كان ضعيف جداً كأنه جاي من بير.
عم أمين بصلها بذهول. بص للقماشة المدممة، وبص للفلوس. عقله ربط الخيوط بسرعة. دول العيال اللي أجروا الأوضة إمبارح الفجر، الواد اللي كان ساند على الحيطة وراسه بتنزف.
الواد الغفير.. تعبان؟ سأل عم أمين وهو بيقرب منها خطوة.
فتنة رجعت خطوتين لورا بسرعة وهي بتكش في نفسها. عم أمين رفع إيده الاتنين كأنه بيطمنها متخافيش متخافيش.. مش هقربلك. الواد سخن؟ عاوز ماية ودوا؟
هزت راسها بقوة والموافقة في عينيها.
عم أمين اتنهد بضيق. هو راجل غلبان، ومش عاوز مشاكل، والمنطقة كلها من الصبح مقلوبة في كلام عن مكافأة للي يلاقي شاب وبنت بالمواصفات دي.
هو كان ناوي يبلغ عنهم عشان ياخد الفلوس، بس لما شاف عينيها.. عينين فتنة مكنتش عينين مجرمة ولا هربانة، دي عينين طفلة مرعوبة بتستنجد بيه.
لسه عم أمين هيتكلم، سمعوا صوت فرامل عربية وقفت بحدة قدام باب اللوكاندة في الشارع تحت.
وبعدها بثواني، صوت خطوات تقيلة وسريعة طالعة على السلم الأساسي للوكاندة. خطوات رجالة كتير مش واحد بس.
يا أمين! يا زفت يا أمين إنت نايم؟ صوت غليظ شق هدوء المكان.
عم أمين لونه اتخطف. دول رجالة عزت بيه، بلطجية المنطقة اللي مفيش نملة بتتحرك من غير علمهم. لو شافوا البنت هنا، هيقتلوها ويقتلوا الواد فوق ويقتلوه هو معاهم.
فتنة سمعت الصوت العالي، الصوت اللي بيفكرها بالعذاب. بدأت تتنفض، وكانت هتصرخ، بس عم أمين اتحرك بسرعة بديهة عجيبة بالنسبة لسنه.
نط من ورا المكتب، حط إيده بقوة بس بحذر على بؤها عشان يكتم صرختها، وسحبها وراه في زاوية ضلمة تحت السلم الداخلي المكسور اللي بيطلع للسطوح، ورا كراكيب وصناديق فاضية.
اكتمي نفسك! اكتمي نفسك لو عاوزة أيوب يعيش! همس في ودنها بحدة ورعب.
فتنة حطت إيديها الاتنين على بؤها فوق إيده، وعينيها مفتوحة على وسعها بتراقب الضلمة.
الرجالة وصلوا للدور التاني. كانوا تلاتة، أشكالهم تخوف، ماسكين مطاوي في إيديهم.
إيه يا معلم سيد.. أهلاً وسهلاً.. خير على الصبح كده؟ عم أمين طلع من تحت السلم وهو بينفض هدومه بيعمل نفسه كان بينضف المكان.
المعلم سيد مسكه من ياقة جلبابه ورفعه مفيش عيال غريبة باتت عندك إمبارح؟ واد أسمر متعور ومعاه بت متغطية بعباية سودة؟ انطق ياد بدل ما أشق بطنك!
عم أمين بلع ريقه، عينه جت للحظة على الزاوية الضلمة اللي فتنة مستخبية فيها، وبعدين بص للمعلم سيد بثبات مصطنع عيال مين يا معلم؟ إنت عارف لوكاندتي دي مبيدخلهاش غير الصنايعية بتوع السبتية والمغتربين اللي شغالين في ورش الخشب. وبعدين أنا قفل الدفتر من إمبارح العصر ومفيش نملة دخلت. تحب أفتحلك الدفتر؟ ولا تحب تطلع تفتش الأوض الأربعة بنفسك وتصحي الصنايعية؟
المعلم سيد زقه بقرف. صنايعية إيه وزفت إيه! بقولك مليون جنيه طالعة في راسهم! العيال دي شمتوها في رمسيس واختفوا من ناحية . يعني مستخبيين في البلوكات دي. لو عرفت إنك مخبيهم، هحرق اللوكاندة دي بيك.
يا معلم لو أعرف مكانهم هجيبهملك وأخد أنا المكافأة، أنا أولى بالقرشين! قالها عم أمين بمكر عشان يقنعهم.
شغلوا عيونكم. لو شفتوا خيالهم تبلغوني. قال المعلم سيد لرجالتهم، ونزلوا السلم وهما بيشتموا وبيرزعوا في الحيطان.
عم أمين فضل واقف مكانه لحد ما صوت العربيات اختفى من الشارع. اتنهد تنهيدة طويلة كأنه كان كاتم نفسه، وراح ناحية الزاوية الضلمة.
اطلعي يا بنتي.. مشيوا.
فتنة طلعت وهي بتزحف، كانت بترتجف لدرجة إن أسنانها بتخبط في بعضها. بصتله بنظرة شكر عمرها ما هتتنسي.
عم أمين سحبها من إيدها، ودخل بيها أوضة صغيرة ورا المكتب كان بينام فيها. جاب قزازة ماية كبيرة، وشريط برشام خافض للحرارة ومضاد حيوي كان بيستعملهم لعضمه، وحطهم في إيدها.
اسمعيني كويس يا بنتي، أنا معرفش إنتوا هربانين من إيه ولا عاملين إيه، بس الناس دي مش هترحمكم، ومش هيرتاحوا غير لما يقلبوا القاهرة عليكم. الواد ده تديله حباية من دي، وحباية من دي، وتعمليله كمادات ماية لحد ما يفوق. وأول ما الليل يليل.. تاخديه وتطيروا من هنا. اللوكاندة مبقتش أمان، هيرجعوا يفتشوا بالليل أوضة أوضة. فاهمة؟
فتنة أخدت الحاجات، ضمتهم لصدرها بقوة، وهزت راسها. سابت عم أمين وطلعت تجري على السلم، مش خايفة من الضلمة ولا من الصوت، كل اللي في بالها هو أيوب.
دخلت الأوضة، وقفلت الترباس وراها. أيوب كان حالته أسوأ. نفسه كان بيشخر، ووشه كله عرق.
جريت عليه، فتحت قزازة الماية، وبلت القماشة، وبدأت تعمل كمادات بتركيز وجنون. كانت بتمسح وشه ورقابته وإيديه، وتحط القماشة على راسه الملهلبه. طلعت حباية من البرشام اللي عم أمين أدهولها، بس معرفتش إزاي تخليه يبلعها وهو غايب عن الوعي.
فكرت ثواني. جابت كوباية بلاستيك صغيرة كانت جنب الحوض، حطت فيها شوية ماية، وكسرت الحباية بإيديها لحد ما بقت بودرة ودوبتها في الماية. رفعت راس أيوب بحضنها، وفتحت بؤه بالعافية، وبدأت تسقيه الماية بالدوا نقطة نقطة عشان ميشرقش.
كانت عملية بطيئة، مرهقة، ومليانة دموع. فتنة اللي كانت محتاجة رعاية، اتحولت لممرضة ومحاربة في نفس الوقت. فضلت قاعدة جنبه أكتر من خمس ساعات متواصلة. مابتتحركش إلا عشان تبل القماشة وتغيرها. بتكلمه بصوت واطي طول الوقت
أيوب يعيش..
تم نسخ الرابط