وجع لا يرى

لمحة نيوز

وجع لا يرى
في هذه الحياة، قد نلتقي بأشخاص يغيّرون مجرى عمرنا، وقد نفقد آخرين فنشعر وكأن الزمن توقف. وبين اللقاء والفراق، نتعلم أن أقسى الأوجاع ليست تلك التي تترك أثرًا على الجسد، بل تلك التي تستقر في القلب... فلا يراها أحد.

أنا حبيبة، أبلغ من العمر ثمانيةً وعشرين عامًا، خريجة كلية الإعلام بجامعة القاهرة.

منذ طفولتي، كان حلمي أن أصبح مذيعة. كنت أقف أمام المرآة وأمسك فرشاة شعري وكأنها ميكروفون، وأتخيل ملايين الناس يشاهدونني على الشاشة.

لكن أحلامي اصطدمت بواقع أسرتي.

أبي وأمي كانا شديدي التمسك بعاداتهما، وكانا يرفضان مجرد فكرة أن أظهر على شاشة التلفاز.

كنت أقول لأمي:

"يا ماما... أنا تعبت وذاكرت أربع سنين عشان أشتغل في المجال اللي بحبه."

فترد بحزم:

"بنتنا مش هتطلع على التلفزيون والناس كلها تشوفها."

حتى عندما تخرجت، طلبت منهم أن أعمل أي وظيفة، بعيدًا عن الإعلام إن لزم الأمر، لكن الرد كان دائمًا الرفض.

ولم يكن الرفض وحده هو ما يؤلمني... بل كانت الإهانة والصراخ، وأحيانًا الضرب، كلما ذكرت كلمة "شغل".

مرت الأيام، ولم يتقدم لي نصيب، وبدأت أشعر أن حياتي واقفة في مكانها.

بحثت عن أي فرصة أستطيع أن أبدأ منها دون أن يعلم أحد، فعملت عبر الإنترنت في بيع الهدايا.

وهناك...

تعرفت على شاب.

في البداية كانت مجرد أحاديث عن العمل، ثم أصبحت رسائل يومية، ثم تعلق كل منا بالآخر.

لأول مرة شعرت أن الدنيا تبتسم لي.

تقدم لخطبتي، وتم الزواج.

ظننت أنني أخيرًا وجدت الحياة التي كنت أحلم بها...

لكنني كنت مخطئة.

فمنذ اليوم الأول بعد الزواج، بدأت أكتشف وجهًا آخر لم أعرفه من قبل.

اختفت الابتسامات، وحل محلها القسوة، والمشكلات، والإهانة.

كنت أستيقظ كل صباح وأنا أتساءل:

"يا ترى النهارده هيكسرني بإيه؟"

حاولت كثيرًا أن أصلح حياتنا، وصبرت كما طلب مني الجميع، لكن الصبر وحده لا يبني بيتًا.

وحين لجأت إلى أهلي، كانت إجابتهم واحدة:

"مفيش بنت بتتطلق... ارجعي عيشي مع جوزك."

كأن ما أعيشه لم يكن يعني أحدًا.

وفي النهاية...

اتخذت أصعب قرار في حياتي.

رفعت قضية طلاق.

وبعد شهور طويلة من الجلسات والدموع، حصلت على حريتي.

لكن تلك الحرية كان ثمنها غاليًا.

خرجت من بيت زوجي، وخسرت أهلي أيضًا.

لم يعد أحد منهم يسأل عني، وكأنني لم أكن يومًا ابنتهم.

أنا من الإسكندرية، لكنني عدت إلى القاهرة، المدينة التي درست فيها يومًا، وكأنها أصبحت ملجئي الوحيد.

استأجرت شقة صغيرة، وبدأت رحلة البحث عن عمل.

وبعد أيام من التعب، وجدت وظيفة في محل ملابس.

لم يكن هذا هو حلمي...

لكنه كان بداية جديدة.

كنت أردد لنفسي كل ليلة:

"يمكن ربنا قفل أبواب كتير... عشان يفتحلي باب عمري ما كنت أتخيله."

لكنني لم أكن أعلم...

أن الباب الذي سأفتحه هذه المرة، سيغيّر حياتي كلها.مرّت شهور وأنا أعمل في محل الملابس.

بدأت أعتاد حياتي الجديدة، وأقنعت نفسي أن الماضي انتهى، وأنني لن أسمح لأحد أن يكسرني مرة أخرى.

وفي أحد الأيام، وصلتني رسالة على صفحة المحل من رجل كويتي اسمه فهد.

كان يسأل عن هدية يريد إرسالها إلى أخته في مصر.

رددت عليه بشكل رسمي، وانتهى الطلب.

لكن بعد أيام عاد يراسلني مرة أخرى، وهذه المرة لم يكن الحديث عن العمل فقط.

كان يسألني عن يومي، وعن حياتي في القاهرة، ويطمئن عليّ كل مساء.

في البداية كنت أتجاهل أي حديث شخصي، فقد تعلمت من تجربتي السابقة ألا أثق بسهولة.

لكنه كان يبدو محترمًا، وكانت كلماته هادئة، ولم أشعر منه يومًا بإهانة أو تقليل.

مرت الشهور، وأصبح جزءًا من يومي.

كنت أحكي له عن وحدتي، وهو يحكي لي عن عمله في الكويت، ويخبرني أنه يسافر كثيرًا.

وذات مساء قال لي:

"يا حبيبة... أنا معجب بيكي، وعايز أتجوزك."

سكتُّ طويلًا.

ثم قلت:

"أنا مطلقة... وحياتي مش سهلة."

ابتسم من خلال مكالمة الفيديو وقال:

"أنا مش فارق معايا أي حاجة من دي."

شعرت لأول مرة أن هناك من يراني كما أنا، لا كما يريد الآخرون أن أكون.

بعد أسابيع، جاء إلى مصر.

رأيته لأول مرة وجهًا لوجه.

كان هادئًا، لبقًا، ويعاملني باحترام.

طلب الزواج رسميًا، وأخبرني أنه سيكتب كل حقوقي.

وافقت.

تم الزواج في هدوء.

وعشت معه أيامًا قليلة ظننت أنها بداية حياة جديدة.

كان يسافر إلى الكويت بحكم عمله، ثم يعود إلى مصر في الإجازات ليقضيها معي.

كنت أعد الأيام انتظارًا لعودته.

إلى أن جاء اليوم الذي قلب حياتي رأسًا على عقب.

رن جرس شقتي.

فتحت الباب.

وقفت أمامي امرأة تبدو في الأربعين من عمرها، وخلفها رجلان.

قالت وهي تنظر إليّ بغضب:

"أنتِ حبيبة؟"

أجبتها بتوتر:

"أيوه... حضرتك مين؟"

أخرجت هاتفها، وفتحت صورة تجمعها بفهد وأطفالها.

ثم قالت بصوت مرتجف من شدة الغضب:

"أنا زوجته... وأم أولاده."

شعرت أن الأرض تميد بي.

تراجعت خطوة إلى الخلف وأنا أردد:

تم نسخ الرابط