خطيبي جاب قايمة فاضية ومضي علي بياض وقال لأبويا أكتب اللي تحبه
ويتنازل عن قضية البلطجة.
الكلام كان زي السكاكين بتدبح في كرامتي. رائف مش بس عايز حقه، رائف عايز يذلنا، عايز يخليني أروح لحد عنده مكسورة العين والخاطر، أنا وأمي، عشان يثبت للدنيا كلها إن اللي بيلعب مع عيلته مابيكسبش.
أمي أول ما سمعت الشروط، صرخت وقالت
نروح ونبوس على راسة كمان! المهم أبوكي مايتسجنش ويموت في حسرته جوة! يالا بينا يا بنتي، الكرامة مابتأكلش عيش في السجون!
جهزنا الورق، وسحبنا القايمة المشؤومة اللي أبويا كتبها بغروره، وتحركنا وأنا حاسة إن رجلي بتنغرس في الطين. وصلنا لبيت رائف.. البيت اللي كنت بدخله زمان وأنا خطيبته المحبوبة، البنت اللي الكل بيعمل لها حساب.
الصالون كان مليان على آخره؛ كبار السوق، أعمام رائف، وأبوه الحاج صلاح قاعد في النص زي القاضي. ورائف.. رائف كان قاعد بعيد، حاطط رجل على رجل، وباصصلي بنظرة باردة تماماً، نظرة مفيهاش أي أثر للحب القديم، وكأن البنت اللي واقفة قدامه دي مجرد خصم اتهزم في المعركة وجايب كفنه في إيده.
المحامي بتاعنا حط القايمة والورق على الترابيزة. الحاج صلاح بص لأمي وقالي
امضي يا بنتي على التنازل.. واكتبي إنك مالكيش حق هنا.
قربت من الترابيزة، مسكت القلم وإيدي بتموت من الرعشة، بصيت لرائف للمرة الأخيرة، كنت بترجاه بعيني، كنت بقوله بدموعي أنا حذرتك عشان بحميك، مكنتش أعرف إنك هتكسرني كدة!.. لكن عينيه مالتش ولا رمشت، كانت قاسية ومصممة على كسر الهيبة.
مضيت.. وبصمت.. وشطبت بأيدي على ال 5 مليون جنيه اللي كانوا سبب في خراب بيتنا.
أول ما رفعت إيدي، رائف وقف وسحب الورق من على الترابيزة، وبص للمحامي بتاعه وقال بنبرة صوت خلت الصالون كله يترعب
كده حقنا القانوني والشرعي رجع.. والورقة اللي كانت حبل مشنقة عليا بقت حبر على ورق.
التفت ليا، وقرب خطوتين، وطلع من جيبه علبة قطيفة صغيرة.. العلبة اللي فيها دبلتي ودبلته. حطها في إيدي بكل قسوة وقال وهو بيبتسم ابتسامة توجع
دي شبكتك يا بنت الأصول.. خديها، أنا مابشتريش ناس بتبيع أهلها، ومابشتريش بيوت بتلعب على بياض.. أبوكي هيخرج بكرة الصبح كرامة للحاضرين، بس اطلعي من بيتي وأنتِ عارفة إنك خسرتي كل حاجة.
أمي سحبتني وأنا مش قادرة أتنفس، خرجنا والدموع مغرقة وشي، والدنيا اسودت في عيني.
تاني يوم الصبح، أبويا خرج من الحجز.. دخل البيت وضهره مكسور، وعينيه في الأرض، مابقاش متولي المنياوي التاجر الكبير.. بقى راجل خسرت تجارته وسمعته وبنته اتفركش جوازها بفضيحة. أول ما شافني، مبصش في وشي، دخل أوضته وقفل الباب، وعرفت من يومها إن الشرخ اللي بيني وبينه مش هيتصلح أبداً.
قعدت في أوضتي وسط العفش والحاجة اللي كنا بنجهزها، ببص لدبلتي المكسورة، وتليفوني اتهز للمرة الأخيرة.. كانت رسالة من رقم رائف، بس المرة دي الرسالة مكنتش كلام.. كانت صورة للشقة بتاعته اللي هدها، بعد ما عاد تشطيبها من جديد وبقت أجمل من الأول، وجنبها صورة لدبلة تانية خالص وجنبها إيد بنت تانية.. ومكتوب تحتها جملة واحدة
اللي شاري بجد.. بيعرف يختار البيت الصح اللي مبيكتبش على بياض.
وفجأة.. الباب الخارجي لبيتنا خبط خبطة قوية، وصوت صراخ أمي رجع تاني يملأ المكان، بس المرة دي الصراخ مكنش بسبب رائف.. كان بسبب حاجة تانية خالص أبويا عملها ومكناش نعمل حسابها!
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
صوت صراخ أمي هز حيطان البيت، جريت على الصالة وأنا قلبي هيقف من الخوف. لقيت أمي واقفة قدام باب المطبخ، ومبرقة عينيها وبتصوت وهي باصة في الأرض.
بصيت مكان ما هي باصة.. لقيت أبويا واقع في الأرض، مغمى عليه، والدموع ناشفة على خده، وفي إيده قسيمة طلاق أمي!
أبويا لما خرج وضهره مكسور وهيبته ضاعت في السوق، وفهم إن بنته هي اللي كشفت خطته حتى لو بحسن نية، عقله مستحملش الصدمة. أول ما دخل أوضته، ملقاش قدامه غير إنه ينتقم لكرامته اللي ضاعت من الكل.. فطلق أمي تصفية حسابات مع الدنيا، ومن كتر القهر والضغط، جلطة مفاجئة ضربت جسمه ووقع في مكانه.
المستشفى، الإسعاف، الدكاترة.. عشنا ليلة تانية من الرعب، بس المرة دي كنا بنحارب عشان حياة أبويا. الدكتور خرج لينا بعد ساعات طويلة وهو بيهز رأسه بأسف
الحاج متولي عاش، بس الجلطة سابت أثرها.. جاله شلل نصفي وفقد النطق.. ادعوا له.
دخلت لأبويا الأوضة.. الراجل الناشف، التاجر اللي كان بيمشي يهز السوق، قاعد على سرير المستشفى عاجز، مش قادر ينطق كلمة واحدة، وعينيه مليانة دموع وندم وباصص لي وكأنه بيعتذر لي عن كل اللي عمله، أو يمكن بيطلب مني السامح. مسكت إيده العاجزة وبكيت، وعرفت إن الحرب انتهت رسمياً، بس مفيش فيها أي منتصر.. الكل خرج خسران ومتبهدل.
مرت سنة كاملة على الأيام دي.
أبويا قعد في البيت، وبقينا أنا وأمي بنخدمه، ومخازنه اتقفلت وتجارته اتهدت، وبقينا عايشين على المعاش والقرشين اللي فاضلين من الزمان. رائف اتجوز، وحياته استمرت، والشقة اللي اتهدت اتبنت من جديد بس لدخلة بنت تانية خالص عرفت تحافظ على خطيبها وتعرف حدود أهلها.
وأنا.. قعدت في بيتنا القديم، ببص من البلكونة على الشقة اللي قدامنا ونورها قايد، وبتعلم الدرس اللي دفعنا تمنه من دمنا وشرفنا وكرامتنا.
الحكمة من القصة
الأصول والشهامة لا تُقابل بالطمع لما يدخل بيتك راجل شاري ومستعد يفرط في حقه القانوني يمضي على بياض حباً فيك واحتراماً لأصلك، أوعى تفتكر ده صيد سهل أو تستهون بيه. الراجل اللي بيستأمنك على نفسه وعلى ماله، كرمه فرض عليك مش ضعف.. والرد على الأصول لازم يكون بالأصول، لأن الكريم إذا أكرمته ملكته، وإذا أنت أكرمت اللئيم تمردَا.
القانون والورق مش كل حاجة الطمع بيعمي العين. أبويا افتكر إن جرة قلم على ورقة بياض هتعمله ملك وسيد على العريس، ونسي إن الدنيا دوارة، وإن اللي بيلعب بالنار بتحرقه. الورق اللي تفتكره حبل مشنقة لغيرك، ممكن بذكاء يتقلب ويبقى حبل مشنقة يلف حوالين رقبتك أنت ويضيع سمعتك وشقا عمرك.
البيوت أسرار وحرمة الأهل خط أحمر الحب مش معناه إني أبيع أهلي أو أكشف ظهر أبويا حتى لو كان غلطان. غبائي وحسن نيتي لما بعتّ الرسالة لرائف، سلمت أبويا لعدوه على طبق من فضة. لازم البنت تعرف توازن بين حبها لخطيبها وبين ولائها لبيتها، وماتسمحش لخلافات الكبار إنها تخليها أداة لكسر ضهر أبوها.
الكرامة إذا انكسرت في البيوت مبترجعش البيوت بتتبني على التراضي والفضل مش على العناد ولوي الدراع. الجواز اللي يبدأ بمحاكم وشرطة وتكسير عضم، مستحيل يكمل بأمان وسكينة. خسرنا الشقة، وخسرنا الجوازة، وخسرنا الصحة والسمعة.. عشان لقطة مالهاش عازة، وعناد تاجر فاكر إن كل حاجة في الدنيا بتتباع وتتشرى بالفلوس تمت